جسر الوفاء


سمارا نوري

كورك مدينة صغيرة في أيرلندا، لم أتوقع يومآ زيارة حتى العاصمه دبلن ولكنها جاءت على غير ترتيب مسبق.

طبيعه ساحرة، وجبال منقوشة بمزارع خضراء كأنها سجادة يدوية بألوان وتصاميم مختلفة، ومنظر الابقار والخراف الذي ينقلك من عالم الأبراج والأضواء والتكنلوجيا ويجعلك في تصالح فوري مع الطبيعة والحياة.

كم نحن بحاجة الى الرجوع اليها والتفاعل معها بنقاء وبساطة بدون صخب ولاضوضاء ولابهرجة.

لم يكن الفندق هو الاخر مثل بقية الفنادق، فهو مكون من طابقين فقط، كأنه قصر كبير بلوحات ضخمة تزين الجدران والباحات، ودرج حلزوني من خشب البلوط يؤدي الى الطابق الثاني، وفي منتصف قاعة الاستقبال هناك بيانو من طراز قديم.

الجو غائم والمطر خفيف والبرد خريفي منعش، والغرفة تثيرمشاعر الدفيء والراحة بأثاثها الاحمر وستائرها الأنيقة. ثم على بعد عشر دقائق هناك مجمع سكني حديث ومدرسة ومركز للتسوق.

كنت لوحدي معظم النهار.. ليس لوحدي بالضبط، فقد تعودت ان أصطحب كتابآ في كل مكان، لاادري عشق هو ام أدمان ام صحبة عتيقة. ولكن في تلك السفرة قررت الغوص في ملحمة أدبية لايليق بقرائتها الا مكان مثل كورك.

هناك أشياء في الحياة تنتج وهجآ وفرقعه كأنها بركان محموم عندما تمتزج معآ. لاأدري أيهما كان السبب في هذا التفاعل العجيب، المكان أم الرواية أم الاثنين معآ!

“جسر على نهر درينا” أعمال الروائي البوسني أيفو أندريتش وقد نال عنها أرفع جائزة أدبية تمنح في يوغسلافيا، اما الجسر فهو الشخصية الرئيسية في الرواية التي تحكي تاريخ البوسنة من القرن السادس عشر وحتى الحرب العالمية الأولى عام 1914، تحت وطأة الاحتلال التركي ومن ثم الاستعمار النمساوي.

استطاعت الرواية أن تبحر في أغوار النفس البشرية وتقتحم أعماقها من خلال تلك الملاحم والأحداث التي لايربطها الا الجسر، والذي يصفه اندريتش بأنه “لامثيل لجماله”.

عملآ عملاقآ يتخذ من الاحداث التاريخية ذريعة للولوج الى شخصيات ونماذج أنسانية بأسلوب عبقري وبراعة فكرية تمنحهم الخلود في الاذهان وتحولهم الى أشخاص حقيقيون، علي خجا من القلائل اللذين لم يقبلوا بالتغييرات التي جاء بها الاجانب، وعابد آغا المكلف بالأشراف على بناء الجسر، ولوتيكا اليهودية صاحبة الفندق التي تعمل بجهد ونجاح لترسل ماتجنيه من الارباح الى عائلتها المشتته في بقاع الارض، والقس نيقولاس والملا ابراهيم والحاخام اليهودي في تعايش فريد وتآلف لمقاومة الظلم والاستبداد.

بني هذا الجسرعلى نهر درينا في مدينة سراييفو ليربط بين البوسنة والصرب بأمر من الوزير العثماني محمد باشا المولود في قرية صغيرة من قرى البوسنة ولكنه اختطف طفلآ وتربى في تركيا ثم أصبح ضابطآ كبيرآ ثم وزيرآ. شهد الجسر تبدلات الحياة والبشر من طوفان وعصيان و أوبئة، وحروب و تبدلات سياسية واقتصادية وصولآ الى أحتلال الامبراطورية النمساوية – المجر- للبوسنة عام 1878.

انتقلنا بعدها الى فندق آخر في وسط المدينة، حيث تتوزع المحلات الكبيرة والمطاعم والاسواق في شوارع داخلية تتقاطع مع بعضها في متاهة تثير الحماس والفرح لجمالها وخصوصية طابعها.
شدتني محلات الفطائر والمعجنات التي تأتي به ربات البيوت يوميآ الى سوق قديم لبيع المنتجات المحلية من البيوت والمزارع. وكان لي لقاء يومي مع سيدة في العقد السادس في محلها الصغير، كانت أناقتها ودفىء ابتسامتها تجذبني أكثر من المعجنات التي كنت آتي لاشتريها.

تطل الغرفة على نهر اصطفت على ضفافه أبنية بألوان زاهية ومميزة، وعلى النهر كان هناك جسر يربطنا بتلك الضفه.

شعرت بالألفة فور التقائي به وتمنيت ان اتعرف على جميع الاحداث التي شهدها، وبدأت التساؤلات تسرح بذهني، هل كان هناك حربآ، هل مشت عليه العربات ام انه جديد عهد لم تطئه الا السيارات، هل حمل آمال الناس الى الضفة الاخرى، هل حاول احدآ ان ينسفه ليغير خريطة الوقائع ويمحي الشواهد.

للجسور حكايات وأسرار تدور بين قصص العاشقين وذكريات المارين وآلام المتسولين .. أيام الخير والسلام .. وأيام الحروب والقنابل وصافرات الانذار.

في ذلك الفجر كانت النظرة الاخيرة، وجدته ساكنآ والاضواء تتراقص بهدوء على سطح الماء تحته وبعض السيارات تمر فوقه. تمنيت لو تسنح لي فرصة البقاء لمدة أطول لاتعرف عليه واستمع لحكاياته واسراره.

ثم لوهلة أختلطت عندي معالم المدينة وتداخلت الاحداث فصرت أرى في تاريخ العراق شيئآ من تاريخ البوسنه وصار ذلك الجسر رمزآ لجسر المعلق والجسر ذو الطابقين وجسر الجمهورية وجسر الجادرية وكل الجسور التي حملت آمالنا وآلامنا ثم صارت وصرنا هباءآ منثورا.

تتباهى المدن بجسورها وتعتبرها أحد مقاييس التحضر والعمران. في فرنسا هناك جسر يترك كل شخص بصمته عليه بتعليق قفل صغير بأسم او رمز تحمل أحلامآ وامنيات وذكريات يستودعها أصحابها أحضان ذلك الجسر.

وفي كل بلد هناك جسور خالدة، ولكل أنسان حكاية معها في طفولته او صباه او شيخوخته، فأذا فقدت أوراق مذكراتك اوخانتك ذاكرتك، واستطعت ان تصل الى ذلك الجسر فستجده محتفظآ بالامانة قادرآ أن يرد اليك ذكرياتك بصدق ووفاء.

About these ads

6 أفكار على ”جسر الوفاء

  1. Enjoyed the reading but felt like I needed to read more about the connection and the mix in feelings about that brideg in Ireland and the ones in Iraq.

  2. مدونة فريدة من نوعها وصادقة في معانيها. اسلوب رائع وبديع، وكما ذكرت سهير قبلي … شدّ انتباهي الترابط المستوحى من المكان والكتاب وذكرى بلدنا. اسلوب في قمة الرقي الفكري والادبي.
    على احر من الجمر لمدونة اخرى.

    • نوارة اعتز بصديقة تحب الكتاب وتقدر الكلمة وتنتظر المزيد .. الحمد لله لازل هناك اشخاص مثلك يستذوقون الفن ويقرأون مابين السطور

  3. 1. الذي اعجبني في هذه المقاله هو الربط الموفق بين المدينه السياحيه والكتاب الرفيق والوطن الام..وكان مفتاح النجاح في هذا الربط هو اسم “الجسر” اسما وموضوعا.

    2. “للجسور حكايات وأسرار تدور بين قصص العاشقين وذكريات المارين وآلام المتسولين” هذه العباره جذبتني وجرتني لقبل 13 سنه في صيف بغداد..كانت لاول مره اذهب للعاصمه الحبيبه “لوحدي” للدراسه..دون والدي الذي كان رفيقي في كل رحلاتي السابقه للعاصمه بغداد..وفي اول ساعه من الليل شعرت بوحشه والم يعتصر قلبي لانني سوف اغيب عن البصره مده ليست بالقصيره..وخرجت اتمشى في تلك الليله الهادئه على “جسر الجمهوريه” ..كان كلشي مذهل..سيارات قليله ..نسمه هواء بارده..اضواء ملونه..عطر بغداد يملىء الهواء..وماء دجله الجاري العذب..الا صدري المقبوض لم يكن رائع..وهناك حمل ذالك الجسر الحبيب اسراري في تلك الليله حتى طلوع الفجر..وكنت انا من ضمن “المارين” الذين ذكرتيهم انتي في عباراتك اعلاه..بالاضافه الى العشاق والمتسولين الذين مروا بجانبي..

    جسر الجهوريه الذي يربط الخير بالخير..والحب بالحب..والعراق بالعراق..باقي الجسر بقاء العراق..باقي الجسر حنى وان اختفت مياه دجله..لانه من الزمن الجميل!

    3. شكرا للمقاله الرائعه ..وكالعاده مقالاتك تكون المحرك كل الذكريات الجميله..وتقبلي اضافاتي مع فائق التقدير

    قحطان

    • جميل للغاية الطريقة التي تحاكي بها كتاباتي بشكل متناغم وكأنها تكملة واضافة للمدونة نفسها .. اشكرك على هذه الاضافات الدافئة والمشاعر المليئة بعبق بغداد والبصرة. جزيل شكري وامتناني

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s