لماذا لانعتذر؟

سمارا نوري

خلق سامي لايقدر عليه الا من كان يملك علمآ وأدبآ وذوقآ سليمآ وفكرآ سديدا.

ليس من السهل الاعتذار سواء كان الشخص المتضرر قريبآ ام بعيدآ. البعض يدرك خطأه لكنه لايجد الشجاعه على الاعتذار، والبعض الاخر يخاف أن يُرفض أعتذاره، اما أسوأهم فذلك الذي لايستطيع أن يبصر خطئه ولايقدر حتى على الاعتراف به.

أن الانسان محكوم بالخطأ طوال مسيرة حياته، وليس هذا عيبآ ولا نقصآ فهو أمر ألهي لادخل له فيه، ولكنه ينقلب الى عمل شيطاني اذا ما تم تبريره. والهروب منه يولد الحقد والكره في القلوب فتطل برأسها مرة أخرى في أي لحظة يستثار فيها الانسان وتستفز مشاعره.

لايكفي تناسي الموضوع ومحاولة تجاوز الخطأ بالعودة الى الحياة الطبيعية والتظاهر كأن شيئآ لم يكن، يريد أن يدفن رأسه بالرمال هربآ من المواجهة، فأن ذلك لن يغنيه من الاعتذار أنما يزيدها سوءآ وتعقيدآ، يجب تحمل المسؤولية والارتقاء بالنفس الى مراتب التواضع والاحسان وتقديم العذر في الوقت المناسب.

وكما يقول المثل الاعتراف بالذنب فضيلة فأن اختلاق العذر رذيله واختلاق العذر ليس مثل تقديمه، فالاولى هدفها الكذب والاصطناع اما الثانيه فهي رغبة صادقه في الاحتفاظ بالشخص دون ان يتنازل عن شيء من كرامته.

كم من بيت أنهارت أعمدته، وعوائل تفكك أهلها، وصداقات أنتهت صلاحيتها، بسبب التكبر والتعالي! لذا كان الاصرار على الخطأ مطبآ عميقآ لايقع فيه الا ذوي النفوس الضعيفة والعقول المحدودة.

وليست هذه دعوة لتكرار الخطأ وتقديم الاعتذار، فأن اعتذر انسان مرة فهذا يعني انه يريدك، أما اذا كرر خطأه وأعذاره فهذا يعني انه لايهتم بك، وكما تقول الحكمة: “كثرة الاعذار تشبه المسامير التي تبني بناء الفشل”.

وأعلى مراتب الاعتذار بأن يعتذر الكبير للصغير، والغني للفقير، والاستاذ للطالب، والمدير للموظف فأنها لاتدل ألا على قوة وثقة جديرة بالاحترام، وقبولها مكسب أكيد، ليس لانها مؤثرة فحسب أنما كونها تربية عميقة ودرسآ بليغآ في مدرسة الحياة.

فكيف أن كان الاعتذار على مستوى أمم ودول عظمى مثل المانيا التي أستطاعت ان تنهض بعد خسارتها ورحيل امبراطوريتها عندما قدمت أعتذارآ عالميآ الى اليهود بسبب المحرقة التي كانت سببآ لخزيها وأنتكاستها كشعب يدعي الحرية وينتهج الديمقراطية بغض النظر عن الطرف الاخر وماهيته، المهم الاعتراف بالخطآ وتصحيحه ليس لاجل المجني عليه فحسب، أنما للمعتدي أيضآ لكي يصحح مساره ويثبت مصداقيته.

أن النفس البشرية غاية في التعقيد، وفي الوقت نفسه فأنها أرقى وأسمى المخلوقات الكونيه لسببين الاول هو تكريمها بالعقل الذي تستطيع به أن تميز الاشياء وتتحكم فيها، والثاني هي قدرتها على التواصل مع غيرها من الكائنات. ومن أخطر الامور التي يمكن لأنسان ان يقع فيها هو أن يترك فريسة لأوهامه وظنونه التي تحفر برأسه وتحطم نفسيته.

يظن بعض الناس أن الوقت أفضل دواء لنسيان الخطأ، قد يكون صحيحآ اذا كان الامر عابرآ ويمكن تلافيه بكلمه او لمسة حانية.

أما اذا كان فادحآ والجرح بالغآ، فأن تركها لن يبرأها ابدآ وسيعرضها للكثير من التلوث والتقيحات التي قد تؤدي الى
نتائج غير متوقعه قد تصل الى حد البتر والقطيعه إن لم يتدارك الموضوع وتفتّح جسور الكلام وتقّدم المبررات الصادقة والاعتذارات الحقيقية خوفآ من الضياع والانهيار.

ولن يجد المخطيء الا القبول والتقدير مهما كان فداحة الخطأ وعمقه.

فلِما لا يتعلم الناس فن الاعتذار؟ ِلِما لايتواضعون ويقدمون الاعتذار قبل فوات الاوان؟

الاعتذار لون من ألوان السحر لايجيده الا الاخيار، له مفعول عجيب في مسح كل أثر لأي ألم أومعاناة إن كان صادقآ وحقيقيآ.

Advertisements

19 thoughts on “لماذا لانعتذر؟

  1. Thanks Samara for addressing this humane attitude. Unfortunately, many would hardly consider it as a required behaiviour in all various social relationships, and just go on in their abusive way of conduct.
    Your intellectual way of bookmarking this subject has a massive impact on readers. Thanks again for the wake up call in all of us.

  2. ,Well said!! Agree with your wording.
    “The weak can never forgive. Forgiveness is the attribute of the strong.” Mahatma Gandhi

    .

  3. الموضوع رائع …ولكن لمن نعتذر ؟
    المشكله ان الانسان في كثير من الاحيان يخطأ ولكن بدون قصد والمشكله الاكبر ان الانسان بطبيعته شكاك فلو رجعنا واعتذرنا واخبرناه ان ما حصل كان بدون قصد فانه لن يصدق ..في كثير من الاحيان اخطأ في حق اناس اعتز بهم واحترمهمأعتذر لكن احس ان ااعتذاري كان بدون قيمه

  4. يسعدني وجودك وطرحك، اتفق معك ان الانسان شكاك ولكني لاادعو الى الاعتذار عن خطأ بدون قصد انما عن الاخطاء المقصودة بالذات حيال الشخص القريب .. لاتقولي ان اعتذارك لم يكن ذا قيمة، لانه اذا كان حقيقآ وصادقآ فلابد ان يكون ذا قيمة حتى وان لم تستطيعي استشعاراها. وهذا مايميز انسانيتنا وآدميتنا عن بقية المخلوقات .. الاعتذار كالمطر يطهر القلوب ويمحي السواد ويجعل النفوس ارض خصبة للمودة والتواصل بشكل سليم.

  5. لاعتذار لون من ألوان السحر

    صح ..لان الاعتذار ليس كلمات فقط وانما احساس ونظرات تجعل الكلمات ساحره ..وهذا كله لن يكون الا ان كان صادق..
    الاعتذار على خطاء غير مسار حياة ثاني لا يمكن ان يقتصر على كلمات ودموع..ولكن بذل الغالي والنفيس لتصليح الخطا..ان كان صادق في الاعتذار..وان حالت دونه الاسباب..فافضل طريقه للاعتذار هنا هو الدعاء للاخر.

    شكرا على الملاحظات التي وردت في مقالك

  6. الاعتذار صفة من صفات النُبلاء وذوي الاخلاق الفاضلة …

    على العموم يسعدني ويطربني دائما ً تصفح مدونتك والاستمتاع بها . دمتي بخير

  7. عني، لا يعنيني اعتذارك بقدر ما سيصنع كل الفرق عندي فقط أن تعترف بفعلك، و لا أقول “خطأك” لأنني مؤمنة بأن الإنسان لا يُخطئ متعمداً، كل أحد يُقدم على فعل يظنه صائب و الأخطاء تحدث، أما الإنكار و الكذب و التخفي فهو ما يؤلمني. قل لي أنا فعلت كذا و ربما أكون قد سببت لك الأذى، و سأقول لك: لا بأس، يمكننا معالجة المشكلة معاً… هكذا ببساطة، لأنني لا أحب كسر نفس العزيز عندي، الإعتذار يُنفرني أكثر من الشخص و يصغره في عيني، أريد ناسي أقوياء أكثر ذوي كبرياء.

  8. الاعتذار يذيب الحواجز ويخلق الجسور ويُقرب الارواح .. أبدآ لن يكسرها ولا يُصغرها ولايُضعفها .. لانهم وحدهم الاقوياء والنبلاء من يتقن هذا الفن ويجيد التواصل به.

    جميل جدآ الحوار معك .. اتمنى أن اراك في كل مدوناتي

  9. أشترطتي في بداية مقالك بأن خلق الإعتذار لا يملكه إلا من كان يملك علماً ، وهذا خطأ على ما أعتقد لأن الأخلاق لا ترتبط بالمستوى العلمي ، فكم وجدنا من عالم منحط الخلق ولكن أعطاه الله من العلم بحورا، وهناك أيضا من لم يكمل تعليمه حتى! وعرف بحسن خلقه وأدبه .
    وأشكرك على مقالك ، ويعلم الله أنني معجب بكتاباتك ، ومتابع لك ،وفقك الله 🙂

  10. أعني، ليس من المفترض أن تعتذر على شئ فعلته باختيارك، فقط تقدم بشجاعة للعمل على تصحيح النتائج الغير مرغوب بها. لأنني أحترم اختياراتك، أنت حر، لن أعتبرك سيئاً فقط لأنك لا تريد تخطيط أمورك بالشكل الذي يناسبني. شأني أن أقبلك أو أرفضك، لا تعتذر لما أنت عليه، هذه مشكلتي لا خطؤك. كثرة الاعتذار علامة ضعف في الشخصية، أقصد الاعتذار بصيغه السائدة “آسف” و “سامحني”، أراها طريقة سلبية جداً و لا تُصلح الأمور، غير شجاعة مواجهة الأمر و التعامل معه دون تذلل.

  11. انت على حق تماما، ابدا لم اقصد بالعلم بمعناه اﻻكاديمي فانا مثلك أدرك جهل ودناءة كثير ممن يعتبرهم العالم والمجتمع علماء ومثقفين .. من لم يعرف خالقه ولم يستطع ان يفهم اﻵيات الكونية لتجعل خلقه وطبعه كريما فانه جاهل بالثلاثة .. العلم الذي قصدته قد يخطئه بني آدم ولكن لن تخطأه الفطرة السليمة والنفس الراقية .. ﻻأستطيع ان اشكرك كفاية على مرورك الدائم ومشاركاتك التي تثري كل مدونه وتحفيزك لي على اﻻستمرار .. يشرفني متابعتك.

  12. يعجبني كبريائك وطريقتك في التفكير .. لكني ﻻزالت مقتنعة بأن لكلمة آسف أو اعتذر دﻻلة ومعنى يفوق المشاعر ويتخطى كل التفاصيل وحاسمة في الوقت المناسب .. كلنا خطائين واختياراتنا ليست دائما صحيحة وتعديلها لن يقلل ابدا من قيمة قائلها.
    تخيلي معي لثواني موقف متأزم وصعب بين صديقين أو زوجين أو اخوين قد استهﻻك العتاب والزعل والخصام الكثير من طاقتهما ومشاعرهما ثم بصمت جميل وعيون تحكي الكثير ولسان كف عن الكلام والجدال واختصر الحب والنقاش بكلمة آسف.
    هل يبقى بعدها مجال للبعد والزعل؟
    الحديث معك ممتع جدا ..

  13. حاضر ستي، إذا تسببت يوماً بإزعاجك، فسوف أقول لك بأنني أشعر بالأسف و أطلب منك أن تسامحيني،و لكن لو حصل و آلمتني فلا تعتذري مني، فقط دعيني لشأني. أتفقنا؟ لا أرى مانعاً من أن أعطي الآخر ما يريد حتى لو لم يريحني ذلك ما دام لا يضرني. و لاحظت قولك “كلنا خطائين واختياراتنا ليست دائما صحيحة وتعديلها لن يقلل ابدا من قيمة قائلها.” و هكذا نتفق على أن الأجدر هو الإعتراف بالخطأ و العمل على تصحيحه، و ليس المضي بفعل ما نريد ثم نعتذر بكلمة و نقنع ضمائرنا بأن مجرد تقديمها أعفانا من تحمل مسؤوليتها. و الذي أكرهه أكثر شئ هو “الإعتذار” الذي يهدف للتبرير، أي نعم فعلت و لكن عذري كذا، نعم قلت و لكن حجتي كذا، هذا ليس أسفاً و هو ليس للمتضرر بل للمذنب مجرد محاولة تحسين صورة. بالنهاية، اتفقنا على المفهوم و اختلفنا بالمصطلح، مع مودتي “حبابة”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s