ذكريات من الماضي والحاضر

سمارا نوري

أقرأ .. عنوان كتاب الذي أنتهيت منه ذكّرني بهاجس قديم صار يؤرقني لكي أكتب وأطلق سراح أفكاري التي لم يعد لها مكانآ في تلافيف دماغي.

وقع هذا الكتاب بين يدي، لااؤمن بالصدف وأيقن بأن لكل حادث تدبير ألهي يعجز الانسان عن أدراكه فيسميه صدفة او حظ.

هذا الكتاب هو أحدى هذه التدابير، وجدت فيه ظالتي.

أسلوب وبلاغة ومتعة تكاد تخلع القلب من جنبات الصدر. لو استطيع ان أحفظ كل كلمة، لو أستطيع ان أعبر بهذا الابداع، لو كان عندي شيء من هذه العبقرية.

أمتلأ قلبي خوفآ وحسرة وأنبهارآ وأنا ابدأ أول دروسي في مدرسة صنع الكلمة، رجعت بي ذاكرتي عقود الى الوراء عندما دخلت المدرسة لاول مرة وأنا في السادسة من عمري، لاأملك الكثير من الذكريات، مجرد ومضات لوجوه وأماكن وأحداث مقتضبة تمر أمام عيني بسرعة خاطفة من دون أن تشبع وجداني بحنين تلك الايام و حلاوتها.

توصي مؤلفة الكتاب بأختيار أي موضوع للكتابة بغض النظر عن الكلمات والاسلوب، المهم القيام بعملية الاحماء الذهنية لخوض مباريات الكتابة.

في أول درس بعد أقرأ، قررت أن أكتب عن رحلة عائلية الى حديقة الخور في دبي، وأضع خطين تحت كلمة عائلية، لانها تكاد تكون معدومة بعد السفر والاغتراب، جاء عمي برفقة زوجته من بغداد لزيارة ابنتهم في زيارة قصيرة، وكان قد مضى وقت طويل منذ ان غادرت بغداد.

أوجعني لقائهم بقدر ما أسعدني وايقظ في كياني ذكريات وأيام أرغمت قسرآ على دفنها في أعماق نفسي عندما رحل أبي في أشد صدمة ولم نكد نستفيق منها حتى دخلنا بكارثة أقسى وعلى غرة في حرب تكاد تكون عالمية على شعب منهك ومحكوم عليه بالموت والشقاء.

مضى عقدين على غياب أبي، طالما رسمت له صورآ في ذهني وتسأئلت كيف يمكن أن يكون وهو في العقد السابع من عمره. اليوم بعد أن التقيت بعمي أستطعت أن أراه بملامحه، أنحناءة ظهره وترهل جسده، ضحكتة الحزينه واسنانه القليلة، صوته الشجي وعيناه الذابلتين بذلك البريق الذي أعرفه.

لم أستطع أن أتمالك نفسي وأنا أسترجع ذكرى أبي بأحضان عمي، شعرت بدموعه وهو يضمني، بكينا وأستذكرنا تلك الايام والاحداث قبل رحيله وبعدها، وما مر عليهم من ويلات وأيام سوداء كان فقدان أبي أهونها وقد يكون الموت أكرم له ولأاي عراقي على أن يعيش بذل وأنكسار ليرى تلك الاهوال التي وقعت على ذلك البلد البائس.

في دبي في شهر يناير، والحر يطبق على الانفاس والناس مستنفرة وكأنها في منتصف الصيف، تكاد تتلاصق ببعضها من الزحمة في تلك الحديقة، سمفونية ربانية بأصناف من البشر والشجر والكائنات، بعضهم بدء بحفل الشواء واخرين يتقاسمون الطاولي وأطفال أنطلقوا من أسر أمهاتهم وفريق يلعبون كرة الطائرة وأصواتهم تملأ السماء وكثير يتمدد على الحصائر والفرش في أستراحة مؤقته من دولاب الحياة وبعضهم جلس متأملآ تلك اللوحة الرائعة.

لاتوجد تلك الحميمية في حدائق كندا او البلدان الاوربيه مع أنها لوحة ربانية ليس للانسان فيها الا بعض اللمسات، ولكنها جامدة لاتثير في النفس مشاعر الالفة والانتماء. كل واحد يعيش بعزلة لاتلبث أن تنتقل اليك، تتحاشى نظرات العيون وتتكلم بهمس وهدوء ولاتختلط بأي غريب.

على عكس الحال في بلداننا، فبالرغم من الفوضى والازدحام والنفايات العشوائية وصراخ الاطفال وغلاظة بعض المتنزهين ناهيك عن مئات العيون المتلصصة والاذان المرهفة، الا أنها تشعرك وكأنك في حديقة بيتك، تتكلم بصوت جهور وتطلق ضحكة عالية وتجلس كما يحلو لك وتتصيد الفرص لتلتقي بالناس وتنطلق بالحديث تلقائيآ وبدون اي مقدمات وتطلب ما ينقصك من العائلة المجاورة وعندما يرتفع صوت الاذان ويستعد الناس للصلاة، يصطف الرجال من كل مكان في تناغم مع بقية الكائنات المسبحة.

فما بالك وأنت في هذه الحديقة مع عائلتك وأهلك، أجمل الساعات أن تكون مع أصدقاء تحبهم وتأنس بهم، ولكن صحبة الاهل تختلف، فهي هبة ألهية لايشعر بها الا من فقدها، ترابط وتراحم وأنتماء مطلق، أجيال مختلفة تمثل أصل العائلة وعراقتها، قصص من الماضي وفكاهات ونوادر يسطرها الكبار في دفاتر الصغار لتحيا وتستمر في الوجود، دموع وآهات ولوعة من ألم الفراق والشتات، وكثير من المشاعر والانفعالات التي تملأ الصدور وتشحن الجو دفئآ وسرور.

نجتمع على سفرة واحدة في أطيب طعام قد تكون نسيت مذاقه، مخلوط بالحنان ومطعم بالاصالة والامان، ليت الحياة أختزلت ليبقى ذلك اليوم خالدآ لاينتهي.

ولكنه الوداع .. سنة الحياة ووجع الانسان، مهما كان قويآ فالفراق يقهره ويشعل النار في قلبه ويترك ندبة لاتمحيها الايام وتظل نغصة في كل فرحة و مناسبة بأن يرجع الاحباب ويجتمع الاقرباء لتقر العيون وترتاح الأرواح.

Advertisements

18 فكرة على ”ذكريات من الماضي والحاضر

  1. اجمل ما خطت اناملك ….مقال رائع رائع رائع….فعلا…صحبة الاهل هبة الهية لا يشعر بها ألا من فقدها….المقال ملئ بالعبارات الدافئة….دخلت كلماته في صميم قلبي….بوركت وسلمت يداك….

  2. الله ياسمارة ابدعتي بكتاباتك كما انت مبدعه بكل شي رجعتيني الى الماضي الجميل

  3. If you were with me, I would have hugged you and never let go. Amazing by all means. Though you opened very old and very deep scars, but at the same time you thrilled me with your flawless style. It’s like thinking to myself. I could’t stop my tears. I just didn’t want this article to end.
    Thanks Samara for sharing
    Can’t wait till the next one

  4. مقال رائع وفي الصميم يا سمارة……. نطقَ قلمك بما عجز عنه اللسان واختلج في الصدور من آهات وحسرات.
    غصةً في القلب تبقى تلازمنا الى ان تعود الفروع للأصولها التي أقتلعت منها

  5. الله يا سمارة المقال رائع و كانك تكتبين ما في قلوبنا … البارحة ودعت اخي و عائلته بعد قضاء ثلاث اسابيع سعيدة معا .. و عدنا للغربة من جديد لكن هذه هي سنة الحياة للعراقيين بالذات و الحمد لله على كل حال … اتمنى لك التوفيق كل مقالاتك رائعة نتابعها مع زينه دائما
    … تحياتي

  6. سمااااارة يا ايتها الرائعة ….كلماتك الحساسة كانت مثل حبات الملح الناعمة التي رشت على جرح مزمن صعب التآمه ألا وهو الغربة ….عاشت اناملك وعاش تصويرك الرائع للواقع …احسستني وكأن في يدك كاميرا تصورين ما حولك بكلمات ….ورسمت في خيالي صورة والدك من خلال وصفك لعمك ….. انزلتي دموع ساخنة من عيوني واخرجتي نهدااات كنت اضنها رحلت عن فؤادي…..ارجوك استمري في التصوير وانقليه لنا فنحن جالسون في الصفوف الاولى للمشاهدة والاستمتاع رغم كل الشجن.
    تحياتي يا رائعة

  7. تأثرت كثيرآ بكلماتك ياريم، وشعرت بصدق دموعك وعمق قراءتك. سعيدة جدآ بوجودك وسأحاول ان اصور لك كل القييم والمعاني التي أغتصبوها واحييها بكلماتي البسيطة. تحياتي ياأصيلة

  8. كنت أغوص في بحر الأنترنت فشد انتباهي عنوان هذا المقال الذي لن يمر مرور الكرام على كل من شاهده فانا بطبعي احب من يكتب على هذه المواضيع التي يتثقف بها جيلنا الصاعد ومن اليوم ساكون من متتبعي كل جديد يخصك فأتشبع بثقافة كتبك الرائعة المواضيع وأتمنى من الله أن ينير لك الطريق ويجعل في مقالاتك الفائدة لهذه الأمة التي انسلخت عن ثقافتها وأصبحت تؤمن بثقافة الغرب التي تريد تدمير شبابنا

  9. 1. مقال رائع مثل كل مقالاتك ..وربط جميل وتفاصيل خفيفه ومهمه تضيف للمقال كل هذا النجاح في السرد

    2.”ولكنه الوداع .. سنة الحياة ووجع الانسان، مهما كان قويآ فالفراق يقهره ويشعل النار في قلبه ويترك ندبة لاتمحيها الايام وتظل نغصة في كل فرحة و مناسبة بأن يرجع الاحباب ويجتمع الاقرباء لتقر العيون وترتاح الأرواح”

    وداع دنيا لاخره…في هذه الحاله ليس هناك رحلات ولا فيزا ولا مال يجعلك تلتقي بهم..ولتخفيف الشوق بامكانك تزور قبورهم..وما اشقاك ان كانت حتى قبورهم لا سبيل لها!..ليس السبيل الا وعد من الاله في لقاء الاخره

    ووداع دنيا دينا..وهنا يهون هذا الوداع لانه لم يتحول الى وداع اخره..وقليل من الايمان سوف يهون الم الفراق..ويبقى الامل

  10. الوداع صار أمر مسلم به في حياتنا نحن العراقيين ولكنه ابدأ لن يكون مألوفآ او هينآ .. يبقى الوداع اقسى ما يعاني منه الانسان سواء كان فراقآ او موتأ فأنه حرمان صعب ومعاناة شديدة حتى تهون الايام قسوتها واحيانآ تترك ندبآ لايمكن الشفاء منها.

    تحية طيبة اليك وشكرآ على تكملة كتاباتي واثراء مدونتي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s