عاصفة النار .. والعار

سمارا نوري

لطالما تمنيت أن أدفن هذا الملف في مكان سحيق أشد ظلمة من ظلمته، ولم أفلح!.

أجتزت البحار والجبال .. غيرت خارطة حياتي .. هربت الى أقصى بقاع الارض .. تآلفت مع الثلوج والصقيع وأنا أبنة الصحراء، تظلني شمس قائظة وتلسع قدماي حرارة ملتهبة.

غيرت كل شيء، هيئتي، شهادتي، تخصصي، أفكاري، أصحابي، وبلدي ولم يبق الا ملامح تذّكرني قسرآ بما كان في فترات متباعدة.

ولكي أُحكم الاغلاق قررت ان أهجر الاخبار ومتابعة الاحداث ونجحت الى حدٍ ما أن اعيش صماء لاينفذ الى أذني الا ماأحتاج أن أسمعه.

نجحت أن أمحي من ذاكرتي تفاصيل غرفتي وغرفة الجلوس والمكتبة و المطبخ والحديقة في بيت كنت أظن انه العالم كله، ولم يكن ببالي ان يتآمر عليه العالم كله!!.

أثقلتني ذكراه كثيرآ، وكان لابد من أستئصاله من ثنايا أحشائي لابقى على قيد الحياة.

وبأضمحلاله ذهب كل شيء خلف ضباب كثيف يصعب ان أصله، مدرستي، صديقاتي، معلماتي، أسماء الشوارع، تاريخ تخرجي، وأيام شقاوتي.

أستبقت عمري وأقراني وصرت أفهم اكثر مما يجب.

ولاادري أيهما كان السبب في ثورتي، رحيل أبي أم رحيل العراق بعد شهرين من فاجعتي في أبشع حرب عرفها التاريخ، أطلقوا عليها أسم “عاصفة الصحراء” وكأنها آخر صيحات هوليود في أضخم عرض سينمائي تقدمه أمريكا للعالم.

أسم مخيف وحقيقي حتى الصميم، وقد يكون الشيء الحقيقي الوحيد في تلك الحرب.

عصفت بكل شيء ولم تذر على شىء ولايزال غبارها يملأ الارض خرابآ ودمارآ الى أجيال قادمة.

أعلم بأني أُوجع الكثير بما أقول ولكني قررت أن أقتحم الضباب وأخرج هذا الملف الذي يأبى ان يُغلق من أروقة ذاكرتي.

وكيف يُغلق والمجرمين احرار طلقاء لازالوا يقتلون بدم بارد وأسماء مستعارة لأجل حفنة مال ومصالح فردية وحقد دفين بأسم الديمقراطية والحرية والانسانية!!!.

وحدي أنا من سبعة عشر مليون نسمة – سابقآ – عندي اكثر من سبع قصص مصيرية لايدركها عقل ولايحتملها وجدان كان سببها تلك الحرب، ولكني سأعفيكم وأنزل الى واحدة فقط وفاءآ لذكراها وتخليدآ لضحاياها.. لم يكن لي دور فيها غير الشهادة عن كثب والا لكنت اليوم معهم في عليين.

قد اتناسى ماحصل لي ولكن نسيانهم خيانة كبرى وأثم عظيم.

كنا قد سأمنا تلك الاصوات التي تصم الآذان وتشق الكونكريت وتملأ الدنيا رعبآ وعذاب، ننتظر الموت من كل جهة وفي كل لحظة. قررنا ان نترك البيت الى ملجأ قريب حيث الامان وبعض السكينة مع الحشد والناس من النساء والاطفال وكبار السن.

كان هناك ملجئين عندما وصلت الاشارة الضوئية مع أهلي قريب وقت الغروب، واحد على اليمين والاخر على اليسار. أي واحد نذهب؟ سألت أمي وأخواتي الاصغر.

كنا قد سمعنا بما يسر عن الذي على الجانب الايمن، حيث هناك تلفزيون، وبعض انواع التسلية، وحتى مجففات للشعر! بعد ان دخلنا عالم الانسان “الاول” منذ بداية الحرب ولخمسة واربعين يومآ من القصف المتواصل والعيش في ظلام وحصار بلا ماء ولاكهرباء ولااي مظهر من مظاهر الحياة السابقة.

قررنا الذهاب الى الملجأ الذي على اليسار، خوفآ من الزحام وابتعادآ عن الضوضاء والضجيج.

كان موحشآ وغريبآ، ولم يستطع أحدآ منا أن ينام تلك الليلة مع أنها كانت هادئة بدون تلك الاصوات.

قلت لجارتي التي بقربي وكلنا نائمين على الارض وعيني لاتهدأ، ولاادري ان كنت اطمئنها أم نفسي فقلت لها أنظري الى هذه الاعمدة لو حطت عليها طائرة لما أستطاعت ان تثنيها.

ولكنه ضيق الاقبية .. وضيق الصدر.. وضيق الوطن.

في ذلك اليوم لم يطلع الفجر وطمست البلاد في ظلام وسواد سرمدي.

دخل بعض الرجال مذعورين يلملمون أولادهم وأهليهم ليخرجوا سريعآ من المكان، دبت البلبلة في كل مكان، ولم نستطع ان نستعلم اي شيء عدا صراخ رجال آخرين بأقصاء المكان فورآ!!.

لماذا؟ ماالذي يحدث؟ لااحد يعلم.

ركبنا السيارة وكان زوج جارتي ينتظرهم، سألناه ماالذي حصل؟ وكيف أتيت؟

قال: لقد قصفوا ملجأ العامرية فجر هذا اليوم بصاروخين.

صاروخين مخصصة لاختراق الاهداف الخرسانية من خلال فتحة التهوية الخاصة بالملجأ، فأُغلقت الابواب والمخارج، ومُنع المحتمين في الداخل من الهرب والمنقذين من مد يد العون.

وكانت الامة الامريكية والعالم الغربي يحتفل بعيد الفالنتين في ذلك اليوم.

لقد كان موعدآ حقيقيآ ومؤجلا مع الموت.

في الطريق الى البيت وعلى ذلك الجانب الايمن كانت السماء قد أمتلأت بالدخان الاسود الكثيف .. ومئات الارواح.

وعندما وصلنا الى البيت كان الجيران يطرقون على باب بيتنا بهلع لعلمهم بذهابنا الى ذلك الملجأ في تلك الليلة.

أحيانآ أتمنى لو كنا معهم في ذلك المكان ولتنتهي بعدها كل فصول الشقاء .. ثم استغفر الله واحمده.

ستظل هذه الجريمة شاهدآ لن يموت .. ليست الاولى في صفائح تاريخهم الاسود ولن تكون الاخيرة.

تحولت أسيجة البيوت والجدران والشوارع الى لوحة ضخمة قاتمه من لافتات التعازي السوداء، كل واحدة تنعي أفرادآ من كل بيت تاركين الازواج والآباء والاحباب يصرخون كالنساء من ظلم لايشفى وثأر لاينسى.

لن نغفر لهم ولو لم تبق الا هذه الفاجعة وسنحملها حية في صدورنا الى آخر نبض .. وعندما تنطلق صيحات يوم البعث ونمتثل أمام الحاكم العادل، فأننا سوف نطالب بالحق والقصاص ولن تكفيني حتى جهنم عقابآ لتطفىء ماأشعلوه في قلوبنا وبلدنا الى يومنا هذا.

لن تستطيعوا أن تستتروا بأبرع الافلام وأعظم الانجازات، ومئات الاعمال الخيرية، وما توصلتم اليه من علم ومعرفة. فأنها لن تبهر الا الجاهلين ولن تضل الا الاموات .. أما من أُبتلي بالحياة ولايزال في قلبه نبض فلن يمر عليه ماتفعلون مرور الكرام.

ولازالت المعركة قائمة .. ولازال الطمع ربكم الأعلى .. ولازالت ايديكم ملطخة بالدماء.

لن تشترونا بوطن مزيف وجنسية ليست الا وثيقة نعبر بها الحدود .. ولن تأخذوا أولادنا وأن تكفلتم بتربيتهم وتعليمهم و غسل أدمغتهم .. لانكم لم تخلقوهم ولم تغرزوا تلك البذرة في كيانهم .. ستكبر وتقوى وتثمر وستطالب بحقها الذي أُغتصب منها وستنكشف الحقيقة ويُعرف الجلاد.

سوف أحيي هذه الذكرى في كل سنة بعيد الحب عندما يحتفل الناس بحب مزيف ونحتفي نحن بالاموات.

سلامآ على تلك الارواح …..

بعض من أسماء الضحايا

أيمان نايف أحمد طالبة 1973
ياسر محمد باشد طفل 1990
أمل محمد عباس طالبة 1963
صبيحة محمد عباس ربة بيت 1959
أيمان محمد عباس طالبة 1976
عدنان فراس حسين طفل 1986
كريمة رشيد ظاهر ربة بيت 1941
مصطفى صلاح طفل 1989
غسان حسين أبراهيم متقاعد 1937
سمية ابراهيم محمود معلمة 1947
شذى محمد علي طالبة 1968
ندوة محمد علي طالبة 1972
جعفر محمد علي طالب 1975
مها محمد علي طالبة 1976
بيار محمد علي طالب 1976
نها محمد علي طالبة 1976
أسراء عبد طفلة 1984
يحيى عبد طفل 1985
هبة عبد طفلة 1990
فرح عبد طفلة 1986
أروى عبد طفلة 1988
أيناس سامي داود طفلة 1985
علي سامي داود طفل 1987
سارة سامي داود طفلة 1990
فرح سامي داود طفلة 1989
زينة خليل ابراهيم طالبة 1978
علي خليل ابراهيم طالب 1969
زهراء محمد نادر طالبة 1979
مروان محمد نادر طفل 1985

وتطول القائمة ….

Advertisements

11 فكرة على ”عاصفة النار .. والعار

  1. والله يا سمارة لقد ادميت قلبي بكلماتك انه حقاً شئ لا يمكن نسيانه وما حدث ويحدث بعد ذلك الا تتمة لهذا المسلسل الكريه الذي يدفع ثمنه الإبرياء المساكين من شعبنا

  2. تسلم اليد التي سطرت هذه الأسطر. رغم الألم و الحسرة، يجب ان نحيي الذكرى و هذا أقل ما يتوجب علينا تجاه الضحايا الأبرياء و عزاؤنا الوحيد هو ان الله عز و جل يمهل و لا يهمل

  3. بسبب كثره الجروح اصبح الماضي يعيد نفسه بالواقع الذي نعيشه ,اسال الله ان يضمد جراحنا الماضيه ويلهمنا الصبر والسلوان على الجاي امين

  4. بوركت ياسمارة على إحياء هذه الذكرى … نعم هي ذكرى قاتمة وحزينة .. لكنها إحياء لذكرى ابرياء لاذنب لهم في حرب دمرت الوطن الذي عرفناه يوما .. تغمدهم الله برحمته الواسعة وهو الحاكم العادل في الثأر لهم.

  5. أختي الحبيبة..لم استطع أن احبس دموعي وأنا أقرأ مقالتك …فهي بالنسبة لي ليست كلمات وأنما اياما مرة عشناها معا ثانية بثانية….وكانت الحد الفاصل ما بين ماض مغمور بالسعادة والمحبة والصفاء وبين ايام تلته عبارة عن تيه وغربة ووحشة فقدنا فيها الكثير لدرجة أنني احيانا اشعر كأنه الماضي كان حلماً وكأنني اليوم انسانا ثاني غير الذي كان!!! ذكرانا مع ملجأ العامرية من اكثر الذكريات ايلاماً لن ننساها…بوركت وسلمت يداك حبيبتي…وتغمد الله شهداء ملجأ العامرية بالرحمة واسكنهم فسيح جناته العلى…

  6. اخواتي الحبيبات .. لو استطاع كل واحد منا ان يوثق شهادته لنفذت الصحف وجفت الاقلام قبل ان ننتهي من تأليف اضخم وابشع مجلد في الظلم والاستبداد عرفته البشرية. شكرآ لمشاعركم الصادقة ومروركم

  7. So touching and sad. coudln’t stop my tears when reading through the article. God bless you Samara!! Although, you are here safe and sound, but I was so worried when reading about you and your sister choosing which sheltter to go to that night.

  8. عزيزتي أعدت الى ذاكرتي تلك الايام الصعبة والاليمة كنا نتالم لثلاث مواطن لنا لا نستطيع ان ننكر اننا لا ننتمي لهذا ام لذاك كلما سمعنا صرخة من هنا او هناك او تلك صرخنا لاذنب نا ولا كم ولا لهم غير اننا خلقنا في هذه البقعة التي طمع فيها الطغاة الظالمين

    هذه الذكرى لن تمحى من ذاكرتنا
    حذفك عزيزتي أوغل في صدري ألما ودمعا

  9. 1. هذه المره الثالثه التي اقرا فيها هذا المقال..ومع كل مره اشعر انني اعيش تلك اللحظات ولها نفس التاثير على نفسي..لم يكن مقالك عن الحادثه بانك طرف منا ولكن كان وصفك للظروف المحيطه كطرف ثالث كان يمكن ان يكون احد الطرفين..ولكن بفضل الله ورحمته سلم من سلم واختار من اختار..وهنا التوفيق في نقل ذالك الملف من حدود الكلمات الى فضاء التأثير.

    2. ” لقد كان موعدآ حقيقيآ ومؤجلا مع الموت ” عباره فكرت فيها كثيرا..وكلنا كعراقيين مر علينا تاثيرها بوعي او بدون وعي منا..تلك الحرب التي اذاقتنا طعم الموت بكل الوانه الغربيه والعربيه والاسيويه..طعم تلذذ بيه جلادنا وتالم من سوء مرارته ضحايانا..وهنا اقول انا مختصر لطعم الموت الذي ضقته قبل العامريه ب 10 ايام..صمت وبرد شديد في تلك الليله..وقدر بطعم الرحمه يحركني انا واخوتي من اغطيتنا لغطاء الوالد والوالده ليكون بعده بدقيقتين قدر اخر بطعم الموت يزلزل اركان 4 بيوت و يختار 13 فرد دفعه واحده ..وبعد الدخان وانتهاء السكون نكتشف ان اغطيتنا كلها شظايا وكتل اسمنتيه دخلت علينا ..وهنا لاول مره ذقت طعم الموت وكلي ذهول..وكان هناك جندي قد هرب من الجبهه في الكويت خوفا من الموت ولكنه كان احد 13 شخص الذين اختارهم القدر ..وهنا للمره الثانيه ذقت طعم الموت “المؤجل”

    3.ما زلت اردد ما قلتيه انتي ” وعندما تنطلق صيحات يوم البعث..” هناك حيث لا قوانين لرفع الشكوى..فالله يعلم ما في الصدور ويعلم كيف يشفي تلك الصدور..

    4.اللهم يرحم موتانا ويجلعهم في الفردوس ويجمعنا معهم عند الحوض..امين

    5. شكرا مره اخرى ..وتقبلي اضافاتي هذه التي صدرت من وحي مقالك

    قحطان

  10. اوجعتني كلماتك كثيرآ واحييت ذكرى تلك الليلة الباردة وكل سنين الخوف والعذاب .. لو اني اجمع آلام العراقيين وتجاربهم لالفت مجلدآ .. قل مجلدات لايعقلها قلب ولايتحملها وجدان .. اني لااتمنى الحرب حتى لاعدائي ولااي انسان فهي فوق ما يحتمله وفيها ظلم وقهر لاينسى ولايزول

    كيف اشكرك لتفاعلك الحي ومشاركتك بهذه الكلمات الصادقة .. خالص تحياتي

  11. ماتوا في زمان كان الموت له هيبه وتاثير في النفوس..

    يوم المحمكه .. يوم العداله الابديه..يوم العداله الربانيه ..سوف نقف جميعا نتظر القصاص من رب العزه في كل من ظلمنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s