شعب لا يعرف النوم

الكاتب: كاظم فنجان الحمامي

جريدة المستقبل العراقي في 25/7/2012

لسنا من النماذج البشرية الرقيقة, التي تخشى الكوابيس, وتنزعج من الأحلام المرعبة, ولا من الأقوام التي تخاف من الجن والعفاريت, ولا من الأقوام التي يقلقها الأرق. .

ولسنا من أبناء مدينة (سالونيكا) اليونانية, المدينة التي لا تعرف النوم. ولا من أبناء (هونغ كونغ) الساهرة على أضواء القناديل, ولا من المدن الصاخبة التي لا ترقد بالليل, ولا تهدأ بالنهار كطوكيو, وبيروت, وباريس, والقاهرة. .

ولسنا ممن يرون في النوم مضيعة للوقت, مثل العبقري الكبير (ليوناردو دافنشي), الذي كان يكتفي بالنوم عشرين دقيقة كل أربع ساعات, ولا مثل (نابليون بونابرت), الذي كان ينام أربع ساعات في اليوم وحسب, ولا من الذين يسهرون الليالي طلبا للمعالي. .

ولسنا من الأقوام المستقرة, التي ترى في النوم محطة ليلية للاسترخاء, وفرصة لاستعادة طاقات البطاريات الحيوية في أجسامهم المتعبة, وإعادة شحنها معنوياً وبدنياً, كي يستيقظوا في الصباح الجميل, ويسعوا في مناكبها بعضلات قوية, وأرواح مفعمة بالنشاط. .

ولا نحن من الجماعات التي تهوى السهر على ضوء القمر, ولا من رواد الملاهي الليلية, الذين ينامون النهار ويستيقظون حتى الصباح في الليالي الملاح. .

ولسنا من الذين غادر الكرى جفونهم حزنا وكمدا على فراق الأحبة, فنحن نعيش خارج التغطية, غرباء في أوطاننا, تعساء في ديارنا منذ زمن بعيد, ونرزح خلف قضبان سجن كبير. .

ولا ممن يحرسون بيوتهم وممتلكاتهم في الليل, تحسبا لهجمات اللصوص والغزاة والحرامية, فنحن لا نملك من حطام الدنيا شيئا, ولصوصنا يسرقون في النهار. .

ولسنا هنا بصدد الحديث عن رواية جديدة مكملة لرواية إحسان عبد القدوس (لا أنام), لكننا أردنا التلميح عن بعض فصول مأساتنا النابعة من واقعنا المر المعاش, بعد أن طار النعاس من عيوننا, وصرنا لا نعرف النوم بالليل ولا بالنهار, ولا ننام مثل بقية الكائنات من الجن والإنس في أقطار السماوات والأرض, ربما لأنهم يتفوقون علينا حضارياً في المعايير الكهربائية والأمبيرية والفولتية, وعندهم فائض كبير في الميغاواطات, فلا تتعجبوا ولا تندهشوا, فنحن لا نهجع ولا ننام, وانقطعت علاقتنا بالسرير والفراش, ونسينا نعومة الوسائد, وصارت عندنا مناعة ضد أقراص الفاليوم. .

نحن نبكي في الظلام, ونضحك في الظلام, ونأكل في الظلام, تشوينا حرارة الصيف, تكوينا رياح السموم, نتقلب في العراء فوق سطوح منازلنا ذات اليمين وذات الشمال, حتى تيبست جلودنا, وضعف عودنا.

نمارس منذ زمن بعيد رياضة الحرمان, نهرع كل ليلة إلى محطات التعبئة لنتزود بوقود تشغيل مولداتنا المنزلية, التي تمثل عندنا الخط الاحتياطي الأول, ثم نشترك كلنا في صيانة الخط الاحتياطي الثاني للمولدات الجماعية المبعثرة في الأحياء السكنية, والتي ندفع أجورها من مدخراتنا الخاصة, أما الخط الاحتياطي الثالث فهو خط تجهيز الكهرباء الوطنية, التي فقدت وطنيتها, وخذلتنا في هذا الصيف الملتهب.

نمضي الليل كله في يقظة تامة, استعداداً لتحويل خطوط الكهرباء من خط إلى خط, نتقافز كما القطط من ركن إلى ركن, ومن مولدة إلى أخرى, وسط غابة من الأسلاك المتشابكة المزروعة في بحر هائج من الضجيج والأزيز والصخب والدخان. وها نحن نرضع من الوعود ثدي عقيم, ونركب من الأمل ظهر بهيم, فهل من كريم يجلو عنا الكابوس, ويزيح عن كاهلنا قيود النحوس, ويعيد البهجة إلى هذه النفوس. . .

واحَسْرتاهُ متى ننام

فنحس أنّ على الوسادة

من ليْلك الصيفي طَلاً

فيه عِطرُك يا عراق

Advertisements

3 أفكار على ”شعب لا يعرف النوم

  1. حزينة لكن واقعية، عشت جزء منها ولي ذكريات عقيمة يغور فيها فؤادي عندما تجول في خاطري. اتحاشاها ولا انكر ذلك. ابدع الكاتب في طرح معاناه هذا الشعب المبتلى بحكّامه على مدى العصور. “فهل من كريم يجلو عنا الكابوس” …. ربنا اكرم الاكرمين وهو احكم الحاكمين. ليس لدي سوى اضعف الايمان والدعاء من مكاني البعيد ان ينعم على عراقنا بحكام عادلين ويطرح البركة في ابناءه ويزيح عنهم هذا الغم.

  2. مقال رائع
    كلام حلو يحفر الگلب ويؤجج الحنين ويعظم الشعور بالغربة ، مع كل ما نحظى من ترف وكهرباء و ماء مدارس وأسواق ، لكن لا ولم يهنأ لنا فكر او ننعم براحة البال بعيدا عنك يا وطني ما أعظمك وشعب ما احلاه وأيام ما أروعها وذكريات سالت دموعنا كلما تذكرناها بل هي ما يجعل العيش بعيدا مقبولا.
    تحية لك يا وطني والله يحفظك الله يسمع دعاءنا وتحمل رياح الشوق آمالنا بيوم غد اجمل ارحم وآمل حقيقي للعودة للوحدة والحرية والحب للعراق وفي العراق ومن اجل العراق.
    اللهم تقبل منا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s