حوار غير مباح

سمارا نوري

هناك مارد صغير يعبث في رأسي، يقطع عليّ خلواتي واهم اوقاتي، لايعنيه وقت ولا انشغال ولامكان ولا اجتماع ولا حتى صلاة.

يكاد يكون قرينآ لكل أنسان، فقد استطاع ان يحتل المراتب الاولى لابرز سمات العصر واكثرها شهرة .. الا قليل ممن حظي بعدم مرافقته والنجاة من عبثه.

أنها أفكارنا وحواراتنا الداخلية التي تقتحم رؤوسنا بشكل عارض وعشوائي، كالجراد تتقافز في الذهن بدون ضوابط ولا قيود اذا غفلنا واطلقنا لها العنان بدون تريث وانتباه.

لااقصد الافكار التي نحتاجها لانجاز عمل او وظيفة معينه ولكن ذلك التشويش الداخلي الشبه متواصل عندما يكون الانسان في منتصف أمر آخر لايمت بأي صلة لهذه المقاطعة!!.

لقطات من ماضي بعيد، حديث عابر، مقطع من فلم، عمل مؤجل، مشكلة عائلية، ومئات الافكار التي تتوالد وتتكاثر بشكل مستطرد كل دقيقة.

بعضها قد يكون قاتمآ لدرجة تشل الانسان وتقعده مربوط في مكانه وهو في أتم عافيته لايشكو الا اوهامآ ذهنيه ووساوس فكرية تركيبتها العجز والخوف والفشل وكل النواقص التي تتهمنا به من دون صحة ولا دليل.

في كلتا الحالتين ان كانت الافكار سوداء ام بيضاء فأنها تمتص طاقة الانسان وتحوله الى مخلوق كسول، كئيب، قليل الحيوية والنشاط.

وفي غمرة هذه الفوضى الفكرية ينصرف الانسان عن تفاصيل وحقائق واقعية تحتاج الى انتباهه وتدور حوله ولكنه يغفل وجودها بسبب ارتباكه الذهني.

ابسط الامثله التي قد تحدث يوميآ، عندما تقرر الذهاب الى مكان محدد من اجل شيء معين فأذا بهذا الشيء يتبخر قبل الوصول الى المكان تاركآ اياك في حيرة وقلق!

او ان تقف امام الثلاجة دقائق تحاول استذكار حاجتك!.

فما بالك ان كنت تقود سيارة او تمسك مشرطآ في صالة العمليات او اي امر يحتاج الى الانتباه والتركيز.

يعتقد البعض ان الاستمرار بالتفكير وأعادة صقل نفس المواضيع في صندوق الرأس سيمكنه من السيطرة على زمام الامور والخروج بنتيجة وحل.

وهذا عين الخطأ لان هذه الافكار لن تعمل الا على اثناء القدرة والطاقه الفعلية على اتمام مهام حقيقية علينا انجازها.

وان كان بعض ما يشغلنا حقيقآ ومهمآ فيمكن التخلص من التفكير بها بتدوينها على الورق والرجوع اليها لاحقآ.

بالطبع يحتاج هذا الامر الى تمرين وتدريب وصبر وكسر حاجز الروتين .. نعم ان الروتين قد يكون سببآ أساسيآ في هذه الازمة.

فأن كنت تعودت على السياقة ببال مشغول وذهن غائب الى مكان اعتدت الذهاب اليه، فالافضل ان تغير طريقك وتختار مكانآ آخر يساعدك على كسر الروتين وشد الانتباه مما سيؤثر حتمآ على حيويتك ونشاطك وأدائك في العمل.

وان فشلت في بعض المرات فلا تستسلم واستمر بالمحاولة بأصرار وأرادة واعية.

في إحدى الدراسات، قام متطوعون بقراءة مقتطفات من كتاب “الحرب والسلام” للأديب الروسي ليو تولستوي في مختبره، لتسجيل اللحظات التي تشرد خلالها أذهانهم ثم طلب منهم تدوين ما يجول بخاطرهم خلال هذه اللحظات. وفي النهاية، تم اختبار مدى استيعابهم للنص الذي قرأوه. وكشفت هذه الإجراءات عن أن هؤلاء الأشخاص كانت تشرد أذهانهم بعيداً عن الكلمات لأكثر من 20 % من وقت القراءة، و عادة ما يحدث ذلك دون إدراك.

حذاري ان تقسو على نفسك مهما تأخرت بالتقدم بل استمر على الايحاء الى نفسك بأنك قوي وقادر على تحقيق الهدف.

واعلم ان اكتساب هذه المهارة تعود عليك بأعظم الفوائد، يقول أحد علماء النفس المشهورين : ليست العبقرية أكثر من تركيز الذهن.

وقال آخر : إن حصر الاهتمام هو أول مقومات العبقرية.

يقال أن المؤسسة القومية للعلوم الأمريكية أجرت دراسة لمعرفة عدد الأفكار التي تخطر على بالنا يومياً، أفكار عن أي شيء، وبينت أن الفرد العادي يفكر 12 ألف إلى 50 ألف فكرة في اليوم وان اكثر من 98 % من هذه الافكار هي نفسها التي فكرنا فيها بالامس!!

مما يعني ان معظم أفكارنا هي أعادة تحليل وتفكير لشيء مستهلك.

فلنتوقف قليلا ونراقب افكارنا ونعمل جاهدين لايقاف اي حوار دخيل والتركيز على فعل آني فحسب.

Advertisements

8 أفكار على ”حوار غير مباح

  1. ماشاء الله عليج يا سماره دايما متالقه فاختياراتج للمواضيع ومتالقا فطرحج للموضوع نفسه بشكل بسيط وقريب للقلب
    الله يوفقج وللامام دايما

  2. 1. مقال رائع يصف حاله نمر فيها جميعا ومرات كثيره لا نشعر فيها..الان بعد هذا المقال اصبح لدي وسيله للشعور فيها..واكيد ستكون نسبه الافكار المعروفه اكثر من المجهوله

    2. عباره “حذاري تقسو على نفسك” وعباره “ان معظم افكارنا هي اعاده تحليل وتفكير لشيء مستهلك” اكثر العبارات التي جذبتني وشعرت بقوه الوصل بينهم …فكانما واحده تفسر الاخرى..حين تعتقد ان اغلب تلك الافكار الشارده هي مستهلكه ويجب ان تركز على الايجابيات ..عندها سوف لن تقسو غلى نفسك..وكما ذكرتي يوما “عدم التمسك بالذي يحتضر فهو ميت ميت”

    يمكن يكون عنوان المقال هو”حوار غير متاح” لان صعب الوصول اليه لكثره وزحمه افكاره…وما اعجب الدماغ حين يسافر الى ابعد الكون مع اشخاص هو يختارهم وحوار هو يفتعله وافكار ايجابيه وسلبيه …مع العلم هو باقي معك ..هنا..في هذه النقطه من الارض..
    تاثير تلك الافكار تعتمد على الشخص واي جانب يفضل لينحاز اليه..جانب الايجابيه او السلبيه..وفي اعتقداي فان جانب السلبيه في تلك الافكار غير المباحه يكون اسهل من الايجابيه..لانك لا تحتاج الى طاقه للوصول للسلبيه..وانما تحتاج لصبر وعزيمه للوصول للافكار الايجابيه والتي بدورها تؤثر على افعالك

    3. شكرا لهده الكلمات التي وضحت بعض الامور الخفيه لدي..وتقبلي اضافاتي مع جزيل الشكر

  3. اتفق معك بأن هناك الكثير من الافكار التي تعتبر دخيلة على العقل البشري, وهي اشبه بالتشويش….لكني اعتقد انه الخالق عز وجل هو من ابدع في خلق هذه الالة الفذة المسماة (العقل) بكلتا حالتيه حالة الوعي واللاوعي…فالاولى هو ما نفكر فيه ونحن في كامل تركيزنا او ما نسميه حالة الصحو واليقضة الذهنية و يتجلى في القدرة على التأمل و الفهم والادراك والتصور والتخيل….أما حالة اللاوعي فهو نتاج مجموعة انفعالات واحاسيس وذكريات مدفونة في الاعماق تأتي فجأة وبدون إذن أو سابق إنذار كما في المثال الذي اعطيتيه عن كتاب تولستوي …فعند قراءة بعض السطور يجد المرء نفسه شاردا في مكان اخر مع اناس اخرين في مجموعة افكار لا تمت للواقع بصلة وهو ما يمثل الشرود الذهني للعقل …كلاهما متلازمان ومن الممكن السيطرة على الافكار بالتركيز واستخدام طاقة كامنة كبيرة تعطي الانسان الكفاءة والفعالية لممارسة شتى المهام على اتم وجه…لكن السؤال ايهما اهون على هذه الالة (العقل).. هل ترك الافكار القادمة من اللاوعي تأتي وترحل مع الافكار الاخرى النابعة من قمم التركيز …أم جبر العقل وتربيته للتركيز والتخيل والخروج دوما من حالة اللاوعي؟؟؟ برأي إن هذا ممكن وهو جيد لحد معين فقط .. لكنه صعب وضد طبيعة العقل البشرية….
    دمت لنا مع افكارك اللامعة وطروحاتك العميقة….

  4. اختيار جميل للموضوع وواقعي لحالة يمر بها الجميع.
    أتفق مع زينة ان حالة اللاوعي والتشويش الفكري هي من الله عز وجل ولكن اعتقد ان التشويش الفكري الذي نعاني منه نحن الان اكثر بكثير من التشويش الفكري الذي عانى منه ابائنا. والتشويش الفكري الذي عانى منه ابائنا اكثر من الذي عانى منه اجدادنا.

    لقد شاهدت مؤخراً فلماً وثائقياً لمجموعة من الاطباء تطرقوا فيه الى اسباب التشويش الفكري وهذه بعضها:

    – التغذية الصحية
    لا مجال للحديث عن هذا الموضوع فكلنا نعلم الفرق بين الغذاء في وقتنا الحاضر وبين الغذاء في وقت ابائنا واجدادنا

    – ألافكار السلبية في عقل الانسان
    وهذه عادةً تنتج بسبب تزايد الاحداث السلبية التي يمر بها الانسان. فلا شك بسب كل السيناريوهات السلبية والمؤلمة التي نمر بها والتي تستمر على مدى سنين طويلة, تخلق في عقلنا افكاراً واتجاهات سلبية غير مرئية ولا نشعر بها حتى وأن كنا نعتقد اننا متفائون وايجابيون فالاحداث السلبية المحيطة بنا (وما اكثرها) تؤثر على العقل الباطني بشكل او بآخر وهذا ما يسبب لنا التشويش الفكري في هذا العقل العجيب

    – السبب الثالث: والذي اؤمن به انا شخصياً هو ابتعاد الناس في الوقت الحاضر عن ممارسة هواياتهم المفضلة.
    اثبتت الدراسات الاخيرة ان ممارسة الشخص لهواياته المفضلة (وخاصةً التي فيها عمل يدوي) تساعد على التركيز الفكري والذهني لانها تربطك بالواقع وبذلك الوقت الذي تتمتع في مع هوايتك.

    شكراً سمارة لكلماتك التي تفتح عقولنا لحالات نعيشها ولكن نتجاهلها….وفي انتظار المزيد من كتاباتك الممتعة

  5. يروق لي كثيرآ تسلسلك في تحليل الافكار والعبارات واسقاطها على ارض الواقع في محاولة لمحاكاة النفس والتقرب اليها

    شكرآ لاضافتك التي تثري مدونتي وفكري .. جزيل الشكر

  6. وجهة نظر رائعة .. اصبت كثيرآ فهي جزء من الطبيعة البشرية التي يستحيل كبحها ولكن يمكن السيطرة على نوعها وطردها عندما تكون سلبية قاهرة وغالبآ ماتكون كذلك في شرود الذهن .. فهناك فرق بين افكار وذكريات واطياف تداعب خيالنا وتداوي جروحنا عندما نستدعيها بأرادتنا في احلام اليقظة عن تلك التي تغتصب عقولنا وتسيطر على مشاعرنا وتمتص طاقتنا وتملأ قلوبنا كربآ وكمدا

    الحوار معك ممتع للغاية .. يشبه حوار النفس

  7. طرح موضوعي ورائع .. في كل رد وتعليق اجد اضافة جديدة ومشاركة قيمة وهذا ماانشده في استثارة العقل واثراء الموضوع بمحتويات ووجهات نظر مختلفة.. هناك الكثير من الاساليب التي تعين على التركيز والهدوء والصحة النفسية ووتتباين هذه الاساليب من شخص لاخر حسب قدراته وتكيفه وطباعه والظروف المحيطة به

    ويبقى الادراك والوعي السليم مايميز الانسان ويرفعه عن بقية المخلوقات ويجعله خليفة في الارض

    انتظر مشاركاتك في المواضيع القادمة .. بالغ شكري وتقديري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s