ذكرى ميلاد مدونتي

سمارا نوري

في الذكرى الاولى لميلاد مدونتي أردت ان أهديها وأياكم هذه الكلمات.

شغف قديم وأرق مستديم ..

طالما وجدت نفسي مدفوعة في التمتمة على الورق ..

لست ثرثارة بطبعي ومتحفظة جدآ ولاأحب البوح وكثرة الكلام ..

وهي تجريد وجرأة ومواجهة مع النفس قبل الاخرين.

أنا احب الصمت وهي تثير ماحولها صخبآ وأنفعالا وبهرجة ..

أنا احب السكينة والانعزال وهي تأبى الا الظهور والاعلان.

بالرغم من ولعي في الكتابة والتدوين وهو امر أعتدته منذ فترة مبكرة من عمري الا أن ذلك لم يكن السبب في فكرة المدونة، فالكتابة أمر شخصي للغاية ومتعب ولابد أن تحمل في ثناياها بصمة المؤلف وكثير من افكاره وثقافته ومبادئه الحياتية.

أنها مسؤولية غاية في الخطورة لما للكلمة من أثر ومفعول عميق في حياة الناس .. بالكلمة تتحرك الجيوش وتشتعل الحروب وتتغير الاحداث ويتحدد المصير وترتقي أمم وتهبط اخرى.

ولما كان للكلمة هذه المكانة المرموقة من النفس والدرجة الخطيرة من العقل والفكر فأني أردت لكلماتي أن تكون متنفسآ وراحة من أحداث الحياة وملجئآ آمنآ من قسوة العالم وطغيان الظلم والفساد وواحة للتأمل والاسترخاء بعيدآ عن الطقوس الجامدة والروتين المميت واملاءات الاخرين.

دعوت مرة لأمسية كانت لشاعر أمريكي وكان عنوانها العلاج بالشعر، أعتقدت انه ضرب من ضروب الشعوذة والدجل بالاخص أني لست من هواة الشعر والقصائد ولكن شاءت الاقدار أن ألبي الدعوة لأمر آخر فجلست أستمع لما يقول الشاعر من قصص ومواقف وكلمات عميقة، لم يكن شعرآ بالمعنى الدقيق بقدر ماكان نثرآ وتعبيرآ شفافآ لصدى الروح.

أما العلاج فقد كان في تفاعل الحضور الذي أدهشني، والبوح بشكل تلقائي وصادق ومبدع بالرغم من التواجد لأول مرة من دون معرفة سابقة مما جعلني أستشعر بعظمة الكلمة وتأثيرها على النفوس وقدرتها الحقيقية على العلاج والشفاء بالنطق والتحرر من الكتمان والفائض من الكلام كما كان عنوان الامسية!!

ثم تأملت أحوالنا ونحن “العرب” أهل الشعر والفصاحة والكلام، قد عجزنا عن أستعمال هذه الادوات والموهبة الربانية للتفاعل مع بعضنا والولوج في أغوار النفس وخلق أناس مبدعين قادرين على التعبير والتواصل كما أراد لنا الخالق ولاجله منحنا العقل واللسان والكلمة.

فأبينا الا ان ننغلق في مجتمعاتنا وبيوتنا وعقولنا وألسنتنا.

البوح عندنا خطيئة ..
والكلام ميت ..
والاذن صماء ..

لاأحد يأبه لأحد ولو كان ذي قربى وأعز الناس، وأن فكر ببعض الاهتمام فلن يكون سوى أمر مادي ومؤقت فلايخطر على بال أحد أن بعض من كلمات صادقة قد تحيي القلوب وتشفي النفوس وتبعث الأمل وتثير البهجة وتحيل الانسان الى طاقة فعالة ومعجزة بناءة.

لازلت أذكر كلماتٍ لأبي وقد تحولت الى مفتاح خاص يفتح كل الابواب في كل زمان ومكان.

كنت دومآ أتقن فن التلقي والأستماع ثم الأسترسال في حديث أنا نفسي أعجب من أين أتيت به ولو طلب مني أحد أعادته لما أهتديت لكلمة واحدة!!.

أنشغلت بأمور وأنشطة كثيرة وبالرغم من أيماني وأستمتاعي بها ولكني كنت أهرب بطريقة ما من التدوين.

أكملت العديد من البرامج الفنية والعلمية ودروس التطوير الذاتي، وكنت دومآ أنخرط في الندوات والاعمال الخيرية والتطوعيه، وأشارك في المناسبات والمهرجانات والفعاليات بمختلف القطاعات والمؤسسات المجتمعية.

ولكن في فترة ما ليست بالبعيدة أصبح جلّ تركيزي في الدراسة والبحث في أمور مصيرية لم أتعرف عليها في بيتي او مجتمعي، أستمرت لاكثر من سنتين، قراءة مكثفة في الكتب والمجلدات والابحاث وأي قصاصة كان تطولها يدي وتقع عليها عيني، كان هدفي واضحآ وكنت أدون بأستمرار بحوثي ودراستي .. وبها رجعت الى الكتابة والتدوين

رجعت بعدها الى المطالعة وقراءة الكتب باللغة الأنكليزية، حيث لم تكن الكتب العربية متاحة حولي في بلاد الغربة، ولم أجد في ذلك حرج مادامت مادتها سليمة ومفيدة وممتعة.

ثم شاءت الاقدار ان أرجع الى البلاد العربية، فكانت نقطة تحول في مشواري الأدبي، وقعت رواية “الامال صارت آلامآ” بيدي باللغة العربية لأول مرة بعد سنين طوال حسبت خلالها بأني فقدت الاهتمام بقراءة الكتب العربية ولم اجرؤ على المحاولة في الكتابة الا مرات معدودة!.

ألتهمت الكتاب بأيام قليلة ولكن كلماته ظلت تدور في رأسي لأيام طويلة.

لم أستطع بعدها أن اقرأ بغير العربية.

لو أستطاع الغرب أن يستشعروا ضخامة ورقة وقوة المفردات العربية لعذروني في هجر كتبهم.

لغة حية ذات مشاعر وأنغام وعنفوان لايشعر به الا من عرف أسرارها وتعمق في مفرداتها.

لم يكن من اليسير أقتناء الكتب العربية بالرغم من معارض الكتب التي تقام دوريآ، بالاضافة الى بعض المحلات التي تختص ببيع الكتب، لكن تبقى المكتبة الوطنية في مدينة أبو ظبي من أجمل التدابير الالهية وأعظم مصدر لما لانهاية من الكتب العالمية والعربية والعلمية.

كانت الكتب تساق الي بالاكوام وبلا سؤال متى ما طلبتها.

ثم تمنيت ان أجد ناديآ للقراءة الجماعية لرفع شأن الكتاب في العالم العربي وأعطاءه الاهمية والمكانة التي شغلها في جميع الدول الاوربية.

لم أجد ..

لكني وجدت شيئآ لايقل روعة عن طريق البحث.

صارت الاحداث و”الصدف” تتوالى لتحدد مسار قدري الجديد.

هكذا بدأت بالأنضمام الى موقع الكودريدرز والذي بدا لي أضخم من المكتبة الوطنية نفسها. مئات والاف المشتركين من كل العالم يبحثون عن الكتب ولهم نفس الهاجس والاهتمام.

أصابتني عدوى الفيروس وانشأت رفوف مكتبتي الالكترونية في بضعة أيام.

وكان له الفضل الكبير في التعرف على عدد ضخم من الكتب التي لم اقرأها او أخطط لقرائتها وقد حالفني الحظ في الحصول على أغلبها من المكتبة الوطنية او شرائها من معارض الكتب.

هكذا بدأ مارثون القراءة وصار الطابور طويلا وأصبح الكتاب جزءآ مألوفآ من ملامحي.

بعد مرور أكثر من سنه بين الكتب والمكتبة وبالتحديد بعد أحتفالات رأس السنة لعام 2012، كانت البداية التي رجعت فيها الى القلم عندما كتبت عن تلك الليلة.

كنت على وشك ان أختص بها أصدقائي فقط عندما خطرت لي فكرة أنشاء المدونة وأستخدام مهارتي الوظيفية في أدارة المواقع الالكترونية بعمل خاص لكتاباتي.

في السادس من يناير لعام 2012 نشرت مقالي الأول بعنوان ليلة رأس السنة

فكانت الولادة ..

مدونة متواضعة قد تبدو عادية ولكني حرصت على أن أملئها بمشاعر خاصة وكتابات عميقة تبحث عمن يقرأ بقلب واحساس.

على مدونتي أكتب عن الانسان وللانسان ولاشيء يشغلني غير الوصول الى أعماق جديدة لم يكتشفها الانسان في نفسه او على الاقل أجلب أنتباهه لها.

بدأت بنشر مقالاتي التي كانت تولد بشكل تلقائي وغير متسارع، ثم قررت أن أضع مراجعات الكتب التي كنت أنتهي من قرائتها بطريقة تختلف عن المراجعات العادية، غالبآ ماأسقط الكتاب على الواقع وأربطه بأحداث حقيقية لتشكل لوحة تشبه الفسيفساء ذات أشكال وألوان مختلفة ومشوقة، تستثير العقل وتهدف الى أيصال رسالة خاصة مع أمنية قلبية بنقل عدوى حب القراءة والرجوع الى المطالعة وأحتضان الكتاب بغاية الارتقاء بالمستوى الفكري وزيادة الوعي الثقافي وكل ما يعين على بناء الانسان.

لم أعد أخاف القلم .. لاني ببساطة لا أكتب بقلم.

وبهذه الحرية أنطلقت في عالم الكتابة بشكل بسيط وعميق ولغاية معينة.

كنت أغبط “ياني” عندما أستمع لمقطوعاته، وعندما حضرت أحدى حفلاته الموسيقية لم تبهرني الموسيقى بقدر ما أبهرني أحساسه العميق بها والطاقة التي جعلته لايشعر وسط تلك الحشود الا بعزفه وألحانه والتفاعل معها وكأنها كائن حي.

تحقق حلمي ومن موقعي المتواضع ومكانتي البسيطة صرت أستشعر ذلك العزف .. ولكن بكلماتي.

لازالت مدونتي تكبر كل يوم وبشكل معتدل ولكنها تحلق وتحقق نجاحآ طيبآ بأي زائر تصيبه سهام كلماتي فيقرر المكوث والأسترسال في القراءة ولو لدقائق ليستراح من صخب الحياة ويبحر في عالم الحب والسلام.

كل عام وأنتي بألف خير ياأجمل كتاب وأغلى رفيق.

Advertisements

12 thoughts on “ذكرى ميلاد مدونتي

  1. كل عام ومدوناتك وكتاباتك اكبر واكثر، كل عام وفنك واحساسك يصلنا بدون انقطاع، كل عام وانت بالف خير لتستمري بهذا العطاء الراقي.
    بوركت ياغالية.

  2. “لغة حية ذات مشاعر وأنغام وعنفوان” أشاركك هذا الرأي يا سمارة. فطالما شعرت بهذا وأنا أقرأ كتابا عربيا. فبالرغم من ترتيب قرآءاتي لكتاب باللغة العربية، ثم باللغة الإنكليزية، ثم بالعربية…. وهكذا بالتناوب، إلا أنه ينتابني شعور مختلف وأنا اقرأ بالعربية. فقرآتي بهذه اللغة الجميلة فيها متعة لدرجة أنني لا أريد لهذا الكتاب أن ينتهي لكي لا أمسك بعدها كتابآ بالإنكليزية. يحفظها الله لنا أن شاء ويمنعها من الزوال.
    كل عام وانت بألف خير ومدونتك بتقدم مستمر وعطاء أكبر ان شاء الله. في انتظار كتاباتك وخواطرك في سنة جديدة وكما يقول إخواننا المصريون (عقبال مئة سنة)

  3. كل عام وانت ومدونتك الجميلة بخير..مع خالص تمنياتي لك بالخير والسعادة والنجاح حيثما كنت :*

  4. إنما الأعمال بالنيات..بعض من يقرأ القرآن أو يتحدث يتفاجأ يوم الحساب وقد كتبت له سيئة ويسأل لماذا يارب ويأتي الجواب لقد كنت تقرأ ليقال عنك قارئ…هدفك النبيل الذي نشعر به قبل أن تكتبيه إن شاء الله في ميزان حسناتك..كل شئ منا أو من حولنا طوال اليوم أما يضيف أو يأخذ طاقة وأحيانا لاندرك السر الإلهي في ذلك..أتذكر شعوري هذا وأنا أقرأ لك بالصدفة ولأول مرة وكأني أعرفك من زمن بعيد أو في زمن آخر. .

  5. ليس هناك صدف ولااؤمن بها .. كل تفصيلة صغيرة وكبيرة تحدث في حياتنا لسبب وتقدير وحكمة .. وهناك رسائل ربانية يقودها الله للعباد على أيدي العباد .. ردودك وتفاعلك ومعرفتك هي احدى تلك الرسائل او على الاقل هكذا اتلاقاها وافهمها .. فلله الحمد والمنة أولا وآخرآ .. ولك جزيل الشكر وعظيم الاجر بكل حرف وأحساس.

  6. عام كامل وانتي معي بكل أحساس ومعنى وكأنك تكتبين معي لاتقرأين فحسب وتحتفلين بكل ما أنشر بأروع الكلمات واصدق المشاعر .. مدونتي بك ومعك نور يانواره.

  7. من القلب الى القلب .. هكذا وصلتني تمنياتك الصادقة واحساسك المرهف ووجودك الذي يثري مدونتي .. شكرآ لك من الاعماق.

  8. أجمل أمنية وأغلى دعاء .. ان يحفظ الله لغتنا وأمتنا بالقرآن والاسلام .. منحتني دافعآ كبيرآ لكي أستمر وادافع عن العربية وقيمنا وأصالتنا ولو بمدونة بسيطة وعمل متواضع.

  9. صديقي الغاليه سماره
    عند قرائتي إلى تدويناتك الجميله اشعر وكأني طائر قد حلق في سماء مشمسه صافيه في يوم له رائحة الزئبق لأجد نفسي أمسك فرشاتي لالتهم انا الأخرى اللوحه التي ارسمها…. فهناك تواصل خفي بين قلمك الجميل ولوحاتي لأجد جسر الفن يكتمل بين الشرق ومن خلال افكارك وقارتنا الباردة عن طريق فرشاتي … كنت اتنمني ومن كل قلبي لو كنتي معي في اول عرض فعلي لطلابي مع أعمالي فقد بدأت في مشوار الفن الحقيقي … عندما نفضت الغبار عن نفسي ورجعت الي عالمي عالم التعبير الحسي عن طريق الفن شعرت يقيمه الأشياء من حولي وكأنني قد ولدت من جديد … بارك الله في هذه التدوينه… وكل عام والقلم الجميل بخير مع حبي وسلامي

  10. لااعرف كيف أعبر لك عن فرحتي بكل كلمة كتبتها .. وأدرك جيدآ ان بيننا تواصل روحي عميق يسعدني .. ويشرفني انك تُشبهين مدونتي بفنك الراقي ورسوماتك الانيقة .. ألف مبروك وان شاء الله في تألق وأزدهار ونجاح دائم ومميز لنرفع أسم العراق ولاشيء الا العراق .. بالغ شكري وتقديري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s