ترانيم الصباح

سمارا نوري

الصباح مختصر حياتي ونافذتي المنعشة على بحر الحياة.

يبتلع الليل بهدوء جميل، تدّب الروح في عروق الحياة بثوب أبيض فضفاض بعد ظلام طويل وليل ثقيل وأنفاس بطيئة، يتسارع النبض ويتراقص الفؤاد حتى أذا أنتهى ذهب البريق وبقيت لهفتي بأنتظاره حتى اليوم التالي.

أعتدت أن أقفز بفرح وشقاوة حول أبي في كل صباح، الجميع يغط في نوم عميق بعد سهر طويل، أنا وأبي لانسهر، ننام أول الليل ونستيقظ باكرآ في أول ساعات الصباح، يُحضر هو الفطور، نتحدث نتأمل نضحك، نجلس في باحة البيت المطلّة على الحديقة.

الحديقة تحتفل معنا بمهرجان الصباح، قطرات الندى، القرنفل والياسمين الابيض والقدّاح والنرجس والتولب، أصناف من الازهار الدائمة والموسمية بألوان فيروزية، أشجار البرتقال والتفاح والعرموط وقمرية العنب الكثيفة، حبات الطماطم والخيار والباذنجان والفلفل المتدلية بين الاوراق بركن صغير، عبق الريحان والنعناع يملأ الصباح.

أبي كان عالمآ في التربة، لكنها أمي من كان يدير هذه الحديقة ويحافظ على نظافتها وجمالها وتصميمها بشكل جذاب ورقيق، طوال أيام السنة، أتأملها تعمل بدأب ونشاط في الحر والبرد، تقتلع وتعالج وتحفر و تبذر وتسقي والعرق يتصبب منها ويصير لونها قرمزيآ لان بشرتها البيضاء لم تألف حرارة الشرق ولهيب شمسها، لكن ابدآ لم يمنعها من الاستمرار بدون ملل ولا تذمر.

أشعر بأنها تسمتد قوتها وقدرتها على التأقلم ببلد غريب بعيدآ عن بلدها من تربة هذه الحديقة ونباتاتها التي صارت أقرب أهلها.

أعتادت أن تقرأ حتى ساعات الصباح الاولى، ثم لا تصحو مبكرآ لترى رونق حديقتها وما تصنعه يديها الجميلتين، تحذرني دومآ من الضجيج في الصباح فهي تعلم أني لاأنام ذلك الوقت حتى أيام العطل والاجازات، وعادة لاأجلس هادئة.

أول شيء أفعله عندما أخرج من غرفتي، أفتح الستائر على مصراعيها، وأستمتع بشغف لا أجد تفسيرآ له الى أنعكاس الضوء والظلال والالوان على الحائط في لوحة سيريالية غامضة، لازلت أبحث عن تلك الخطوط المتراقصة على الحائط في كل صباح.

تنهرني أمي لان صوت الستائر يزعجها، لم أتوقف لكني صرت أفتحها على مهل شديد بلا صوت.

فقرة الستائر أهون من الدخول الى المطبخ.

في الصباح يدّب في كياني نشاط وطاقة عجيبة، لاشيء يسعدني مثل الصباح.

لاأحب الهدوء في الصباح، أرسم، أقرأ، أشتغل في البرودري مثلما توصيني أمي، أنشطة لاتلائم صباحي، وبما أن الخيارات محدودة فأني أجد متعة في كركبة المطبخ.

أرجع الصحون والملاعق وأدوات الطبخ من سلة الصحون الى أماكنها في الدواليب، ثم يأتيني الالهام لابدأ في ترتيب وأعادة صياغة هذه الدواليب على طريقتي، تصحو أمي ووجها محتقن من الغيظ، لايلبث أن يتحول الى أبتسامة غاضبة عندما ترى الدولاب.

لاأحب أن أسمع فيروز او اي موسيقى في الصباح مثلما يفعل أغلب الناس، أعشق صخب العصافير وسمفونيتها الصباحية التي تعزف فيها مئات الطيور بعشرات الالحان والانغام، أستمع اليها بعمق وأفهم حواراتهم، تلك المخلوقات الناعمة تشبهني كثيرآ فهي تستيقظ مبكرآ مع أول خيوط الفجر ثم لاتلبث أن تهدأ في النهار وتختفي مع حلول الليل، تقفز بمرح ولاتسكت في الصباح.

لو أني كنت شابآ او أعيش ببلد أوربي لما أزعجت أحدآ في البيت، لاستحالة بقائي في البيت عند الصباح.

أعشق دراجتي الهوائية وأكره الاعراف التي يفرضها المجتمع الشرقي، أغلبها لاتخص الا النساء، طبعآ فنحن جوهرة لايجوز لاحد أن يكتشفها او يراها خارج قوقعتها!!.

كنت أطير بدراجتي في الصباح، ثم صار أبي يمنعني عندما كبرت، لكنه كان يسمح لي بركوبها عندما نكون في منتجع الحبانية، هناك الصباح خرافي لامثيل له.

تهدأ الشوارع بعد ليل صاخب يروج بالناس والسيارات والدراجات النارية حتى الفجر، بعدها تكون الشوارع خالية لي أنا.

أذهب الى الفرن الاوتوماتيكي لاشتري الخبز، رائحته في الصباح تثير ذكريات وآمال لاحدود لها، أتجول في دراجتي بسرعة عالية ثم أرجع الى البيت، أترك الدراجة وأسير نحو البحيرة.

نسيمها عذب وناعم، تلمع بشدة كأنها منثورة بقطع من كريستال.

الساحل لي، نتكلم طويلا، أرمي محتوياتي في قعره العميق ثم أعود الى البيت.

هكذا عشت في بغداد أجمل أيام حياتي، لاادري أن كانت الحياة جميلة في مكان آخر كما كانت ببغداد، لااستطيع أن أذكرها بغير ذلك، بغداد تعني ترانيم الصباح والصباح يعني بغداد.

عندما رحلت، قالت: موعدنا الصباح.

حسبت أن الصباح ودعني بلا رجعة بعد أن تركت بغداد، ثم أدركت بأن سره وسحره أبعد من كل الحدود وفوق كل ترحال.

تركت كل شيء هناك، غرفتي، كتبي، حديقتي، أهلي، الا الصباح كان معي في كل بلد ومكان.

أحببت حلله الجديدة، أنيق دومآ وقادر على أن يشعل شموع الفرح بقلبي الحزين، صار له طعم آخر عندما تمتزج خيوطه بأشعة بغداد وحنين ذكرياتها.

صرت أستعد لذلك اللقاء في كل بلد مع الصباح، أنظر الى السماء، أستنشق الهواء بعمق، أستمع الى الكون بألهام ثم أحلق بعيدآ.

تتناغم الاصوات والاشكال مع الصباح حتى تكاد تنصهر في ملامحه، في عمان الاردن كان الصباح غريبآ بدون صوت بائع الخبز، في الرباط الصباح هدير الامواج الثائرة والمقاهي المنثورة على أمتداد الطريق، في كندا يبدأ الصباح بلوحة بانورامية خالدة ترسمها السماء بألوان مثيرة مليئة بالقصص والمشاعر، وفي ابوظبي أحتضن الصباح بأشعة صارخة تعكس ظلال النخيل مع صياح الديك.

وبما أني صباحية المزاج فأن وجبة الفطور عندي مقدسة ولها طقوس ومشاعر خاصة، لا أشرب القهوة لكن يسحرني عبقها.

حتى صار أغلب أصحابي يفضلون زيارتي صباحآ عند نهاية عطلة الاسبوع للاحتفال بمهرجان الفطور، بالاخص عندما يكون في باحة الحديقة تحت الخيمة المظللة بأغطيتها الشفافة وأثاثها الانيق وسمفونية الطبيعة عندما يكون الجو منعشآ.

الصباح ذكريات حية وطفولة بريئة ورغيف ساخن، مجردآ من الاقنعة والنفاق والمجاملات الثقيلة.

لازلت أنتظر الصباح كل يوم بلهفة وشوق لأعرف ما يخبئه لي، تفاصيل صغيرة ومسرات لايراها الا من يفهم لغة الصباح.

Advertisements

17 thoughts on “ترانيم الصباح

  1. احتفال رائع بالصباح. كنت قد كتبت ديوان شعري صغير اسمه تحيات الصباح، لما يحمله سحر لا مثيل له لكن حكاياتك طعمها حلو، ويزيدها حلاوة انك اختصرت عدة صباحات وتنفست صباحات مدن شتى.. فصباح الخير عليك.

  2. صباحك أحلى وأجمل .. ليتك شاركتنا بشيء من ديوانك الصباحي .. سعدت بكلماتك ومرورك .. كل صباح وانت بخير

  3. ما أجمل هذا الصباح المفعم بالحيوية والنشاط ..

    أتمنى من الله تعالى إن يرزقنا وأياكم بباقات من الفرح تملئ قلوبنا سعادة وبهجة … طابت أيامك ِ بخير .

  4. عارٌ بأن نقرأ ترانتيم من تلاوات جميلة دون أن نوشمك ثناء عليها ..
    أحدٌ أحد ! ما أذهلك ..

    انتظرك بالطعن بأحرفك الرنانة في خاصرة مدونتي المتهالكة هنا
    3azef77.blogspot.com

  5. I am always keen to read your articles as they speak the words on my mind and the feelings that I am not able to express. I loved all your articles with no exceptions since they bring to my soul different feelings. Sometimes they makes me happy, sad, wondering, questioning, etc..
    This article made my day!! It brought to me many things and feelings at the same time. Took me back in time, made me imagining every morning you had and will have, reminded me of the best breakfast feast you made for us in Canada, and the ones that you promised to prepare if I visit you in Abu Dhabi.
    Although I am not a morning person, but your article made me feel like.
    Thank you for bringing all the joy to my life and to your readers lives.

  6. ما أجمل هذا الصباح وقد لامست به قلوبنا واحاسيسنا بأجمل ذكريات العمر…ما اسعدها وما اروعها من ايام …تسترسلين بالوصف في مقالك واجدني معك في كل الاماكن التي ذكرتيها, مع ذكرياتها الحلوة والمرة في آن واحد…وكأنها غادرت ولم تعد… .فصباحك صباح الورد بأنواعه معطر بعبق القهوة لقلبك الدافئ….اتفق معك بان الصباح موجود في كل مكان وأنه رافقك في رحلاتك المتعددة ولكني كنت ومازلت أؤكد على أن الشمس في بلادي واشعتها الذهبية كانت مختلفة … أعشق صوت الطيور في الصباح ولكن ذلك لا يمنع من أن اشعر بشلال من الدفئ قادم مع صوت فيروز تحملني مع صوتها الى بغداد على جسر الجادرية الساعة الثامنة إلا عشر ونحن في طريقنا الى المقاعد الدراسية في الجامعة….يالها من ايام وذكريات….تذكرت خبز الحبانية بعصرة قلب….اتمنى لو يعود الزمن ثواني قليلة لأشم رائحة ذلك الصباح الجميل الذي وصفتيه وأعود….بوركت ..ما اجمل واروع مقالاتك…متعة بحق…دمت ودام قلمك…

  7. أسعد الله صباحك في كل صباح ليكون ابيضآ مشرقآ بهيجآ .. دمت بخير وسلام وكل الشكر على المرور والمتابعة

  8. وهل بقيت لي حروف بعد عزفك!! لقد جعلت من المدونة قطعة موسيقية غاية في الرقة فشكرآ لمرورك وحروفك الحية.

  9. Well here’s a witness of many joyful mornings, lovely friendship, true laughter.

    I’m still keeping my promise in reviving our mornings in Abu Dhabi, with me you got be a morning person.

    Can’t thank you enough for the warm thoughts and feelings.

  10. ما أروعك وكم هي رقيقة أحاسيسك .. معك اكتملت صباحاتي ومعك احتمل غربتي ومعك أشعر بالقوة والامان .. أذكره فيك بأبتسامتك وطيبتك وطموحك وحضورك حتى في الغياب.

  11. أبهجتني تفاصيلك الصباحية، في بلدي لا “صباح” لنا على الإطلاق، الصبح للدراسة أو الوظيفة أو أعمال البيت، و في الإجازات نبقى حبيسي الجدران لأن بلدي الصحراوي لا يعترف بحياة الصباح.

  12. كلماتك ذات انغام فريدة، جميلة وانيقة، وكأنها اصابع عزفت على أوتار الأحرف نغمات، كونت هذه الترانيم الدافئة.
    استمتعت بصباحك النقي المليء بالذكريات العائلية
    حقاً.. استمتعت بقراءة أحرفك

    دمتي بخير🌸

  13. صباحك معطر بأجمل الورد وأروع الخلق .. أنتظر كتاباتك ولاتحرميني من وجودك معي في مدونتي فرأيك يهمني وحروفك مضيئة كقلبك النقي.

  14. كنت أبحث عن تعليقك عندما نشرته، كما توقعت لن يكون كلامك عاديآ وفاجأتني بصباحك .. غاليتي أنا لم أكن في اوربا ومع ذلك أعيش كل صباح في أي بلد وكأني بقطعة من الجنة هل تعرفين لماذا .. لان هذه الجنة في قلبي لاتعكرها صحراء ولامزاج ولا نكد .. عندي بقية اليوم لكن الصباح هو مزاجي أنا

    أبحثي بقرب أكثر وانظري بأحاسيسك واغلقي عينيك .. ستجدين فيه صحبة رقيقة وناعمة .. شكرآ لحضورك

  15. آلُمَحٍــــَـــــبْةْ✿❀
    أجٍْملَُ مآ تٌحٍملُه قلوبنْآ.✿❀””

    ۆآلُّحٍنْيَــِـــنْ.✿❀ۆاروعٍ َمآ فَيَ ِمشٌُآعٍرٍِنْآ.✿❀””
    ً
    ۆآلُــدِعٍــآء ✿❀
    يَبَْقﮯ ہُۆ عٍِطُرٍَ تٌۆآصٍُلَُنْآ .✿❀””

    أََسْألُ آلُلُه آنْْ يَرٍضا عٍَنْْگم .✿❀””
    فََلُيَِس بْعٍْدِ رٍَضا آلُله إلُآ آلٌُجٍنْــہ.✿❀””

    “آلُلُہــّـــُـــمْ آمـــِــــيَنْ”

    ♡♡ صٍبْآآحٍ الُخـييَرٍ ♡♡.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s