سيكولوجية العادات – الجزء الاول

سمارا نوري

ليست رغبات عابرة ولا أفكار ملهمة، بل هي عادات فكرية يومية تشكل كيان الانسان ومسار حياته.

البعض يتكلم عن نمط حياة، والبعض الاخر يسميها أطباع شخصية، أو قد يقول أحدهم أنها أخلاق فردية، وقد تكون حالة نفسية.

أيآ كان المسمى فهي في حقيقتها تُعبر عن حقيقة واحدة تنبع من مصدر واحد أساسه العادات الانسانية في التفكير والتعامل مع تلك الافكار وتكرارها مئات المرات بشكل يومي يفوق التصور لدرجة تصبح فيها هذه الافكار تلقائية وجبرية بلا تفكير ولا أي مقدرة للسيطرة على ماهيتها وكميتها وبالتالي طريقة التفاعل معها.

تلك العادات الفكرية غالبآ ما تحدد كيان الانسان وملامح شخصيته وأسلوب عيشه وبالتالي فهي مسؤولة بشكل مباشر ومؤثر على سعادته وراحة باله، بغض النظر عن الظروف المحيطة والمؤثرات الخارجية، المهم هو طريقة التفاعل مع تلك الظروف بفكر حاضر وطرد الافكار العشوائية واللاأرادية التي تستنزف الطاقة وتشتت العقل وبالتالي تجعله كئيبآ حزينآ بلا سبب محدد او معقول.

ولهذه الافكار خواص مغناطيسية بالغة القوة في أجتذاب صنوف من البشر والاشياء وحتى الظروف على حسب نوعية تلك الافكار وطريقة التعامل والاستسلام لها.

أكتشفت الدراسات والبحوث بأن هذه الافكار قابلة للتغيير والتأثير بشكل مباشر وفعال على مختلف أنظمة الجسم العضوية أبتداءآ من الهرومونات والاعصاب وحتى ال دي أن أيه.

تصل عدد أفكار الانسان الى 60000 فكرة في اليوم الواحد، بمعنى أن هناك فكرة في كل ثانية خلال ساعات يقظته، 95% من هذه الافكار مكررة ومعادة بشكل يومي وروتنيني كأسطوانة تسجيل.

المحزن في تلك الداراسات، أن 80% من هذه الافكار سلبية وغير صحية، أي أن 45000 من الافكار اليومية هي أفكار غريبة وغير مرغوب بها لاتولد سوى الاحباط والشعور بالجزع.

المفرح في هذه الحقائق، بأن أغلب هذه الافكار خاطئة ومضللة ويجب لفظها وعدم التصديق بها.

نحن لا نصدق كل مانسمع، ولا نصدق كل ما نقرأ، ولا نصدق كل ما نرى، وعليه يجب التحكم بأفكارنا بنفس الطريقة ولا نصدق بأي فكرة تطرأ في عقولنا.

لست ألّمح بهذا الحديث بأصطناع الافكار الايجابية و الاقرار ببساطة بترك الافكار السلبية وأعتناق الافكار المشرقة، كمن يضع أبتسامة كاذبة على وجه حزين او يزين كعكة محروقة بكريمة ملونة.

في الحالتين فأن التصنع لن يغير من حقيقة المحتوى الداخلي.

ما أريد أن أصل اليه هو التغيير عن طريق التحكم المستمر والجاد بنوعية الافكار وطريقة الاستجابة لها حتى تصبح عادة، وأضع عشر خطوط حمراء تحت كلمة عادة.

فأذا ما تحولت ردود الافعال الفكرية الى عادات مبرمجة وأفكارآ صحيحة، عندها يحدث أنقلاب ثوري داخل منظومة الرأس والتي بدوها ستنسف جميع المؤثرات الخارجية، وتُغير طريقة التعامل معها بدرجة 180 درجة، ليس بسبب حصول معجزة كونية او تغيير جذري، فالسنن ثابتة والحياة بتحدياتها وصعابها لاتتغير، لكن طريقة التفكير ومن ثم التعامل مع هذه المحتويات والظروف هي التي تحدد أسلوب حياة الانسان ونمط عيشه.

والحقيقة أنه يمكن تقليص مفعول تلك الافكار وأبطال تأثيرها بوضعها تحت المراقبة الشديدة وتصفيتها بشكل دقيق وانتقائي حتى تصبح عادة مكتسبة لاتستوجب الجهد والتركيز المتواصل.

يقال أن أقوى جيش يمكن أن تواجهه في حياتك هو جيش الأفكار التي تدور في عقلك فهذا الجيش قادر على تحطيمك أو نصرتك، فكن قائداً لجيش أفكارك ولاتكن تابعاً لها.

عندما تشعر بالمعنى العميق والحقيقي لمصطلح الحرية الفكرية، تصبح عندها سيد نفسك قادرآ على أصدار الاوامر لمشاعرك واعيآ لافكارك ومتحكمآ لارادتك وأن كانت ضد رغباتك وضغوط الحياة المعاكسة.

الحرية أذن هي القوة على ضبط النفس والسيادة النفسية بلا منازع.

وفيها تتشكل عظمة الانسان وتتميز قدرته عن بقية المخلوقات والكائنات.

لذلك كان التوافق مع الارادة الالهية سر نجاح وبلوغ قمة تلك الحرية وجعلها الاساس الذي تبنى على قاعدته جميع العادات الفكرية والنفسية والوجدانية.

في مدونتي القادمة سوف أكتب بالتفصيل عن العادات التي قررت تعديلها وأعادة صياغتها وتثبيتها بشكل جذري لايقبل التهاون او التراجع، من خلال السيطرة على أفكاري وطريقة التعامل معها بشكل يومي حتى صارت نمطآ حياتيآ لن أفرط فيه ولن أتوقف عن الاضافة له وتحسينه بأي فرصة متاحة او تكنيك جديد.

Advertisements

13 thoughts on “سيكولوجية العادات – الجزء الاول

  1. تدوينة رائعة وموضوع مهم فالحديث عن عاداتنا الخاطئة والمتجذرة في الأعماق لابد ان تزول، مع كل الأسف اننا نحتفظ بكل شيء قديم الجيد والرديء، ونتداول كل مثل تناقله الاولون، ونتمسك بالماضي من دون ان نسأل أنفسنا هل نحن حقاً مؤمنون بكل ما نفعل؟
    أشكرك كثيراً على تحفيز الأسئلة التي يجب ان نسألها دائماً على عاداتنا الخاطئة.

  2. جميل جداً يا سمارا،
    قال أحدهم مرة بأن راقب أفكارك لإنها ستصبح عادات ووصل آخر إلى أن النجاح ليس سوى عادة ..
    عندما أنظر للوراء وتحديداً خلال السنة الأخيرة أذكر جيداً بأن من الأسباب التي ساعدتني كثير في تحسّن حالتي النفسية وتعاملي مع نفسي هي عادة بسيطة تخلّصت منها بعد أن كانت سبب لكثير من بؤسي! وهي عادة البقاء لساعات في الفراش بعد الإستيقاض!
    كنت أبقى في فراشي لساعات بعد الإستيقاض من النوم وأحيان أعود للنوم بسبب الهم الذي جلبته لي أفكار ما بعد الإستيقاض!
    تخلصت منها بدون معرفة أو نيّة .. أعترف إنه ليس من السهل تحديد ماهي العادات التي تعيقنا أو لو عرفناها كيف نتلخص منها .. تخلصت من هذه العادة بالمصادفة ثم إكتشفت لاحقاً أنها كانت أحدد أسباب شقائي .. موضوع التحكّم في الأفكار وإداراتها إن صح التعبير ليس سهل وكثيرون يتوقفون عن المحاولة بعد فترة وجيزة .. أذكر إني في فترات سابقة كنت أنقلب إلى أسوأ حالاتي بعد أيام من محاولة “ممارسة الوعي” تجاه الأفكار التي تدور في ذهني .. كنت أقف عند أي مشاعر سيئة وأحاول تحليلها لأعرف ما سبب هذا الشعور السيء لأصل إلى جذوره علّني إن عرفته أتخلص من مشاعره .. المشكلة إنها طريقة مرهقة خصوصاً في البدايات وتسبب في إنتكاسات أعود بعدها لأسوأ مما كنت عليه .. أصيب بحالات تشبه التبّلد أو اللا مبالاة .. وهذا من الأسباب التي جعلتني حينها أنظر لمثل هذه العلوم بشيء من الشك بأن تكون شبه مستحيلة التطبيق أو صعبة جداً .. ما أحب أن ألخّصه إنه بعد سنوات وبعد أن تشرّبت هذه المعاني مع الوقت والمطالعة بدون الجهد الذي كنت أبذله سابقاً أصبحت أطبّق بعض هذه الأفكار بشكل سلس وبتدرج وبدون قصد لأكتشف بعد فترة إني أمارس بعضها بطريقة أو بأخرى وأرى بعض نتائجها الإيجابية رغم تقصيري الكبير في بذل قليل من الجهد لإزيد أو أسرّع من نتائجها مثلاً .. لصلاح الراشد محاضرات جميلة في اليوتيوب ولعل برنامجه الأخيرة “خذها قاعدة” لخّص الكثير منها .. أعرف أني أطلت ولكنه موضوع لامس شيء فيّ وأعي تماماً أهميته .. وبإنتظار تدوينتك القادمة ( :

  3. اليوم أنتهيت من كتاب بشير الرشيدي (تعامل مع الذات) وفي مقالك إيجاز للكثير مما قرأته .
    والأجمل انك ستكشفين لنا عاداتك السلبيه لتغيرينها ، أهنيك على جرأتك النابعة من قوة شخصيتك

  4. هذة اصعب مهمة… ان يقوم شخص بمحاولة السيطرة على افكاره
    قد ننجح في توجية افكارنا قليلا و لكن اذا كان العقل مدرك انه هناك عادة فكرية سيئة و انه يجب الابتعاد عنها فسيتشبث بها

    متشوقة لقراءة تجاربك 3>

  5. مدونة رائعة كالعادة..والموضوع شائك وصعب…اشبه الافكار بالبذور سرعان ما تمنو لتصبح ايديولوجيات في كثير من الاحيان وكما ذكرت تكون خاطئة تنبت وتنمو لتصبح عادات من الصعب التخلص منها واقتلاعها من يوميات الفرد يتبعها الكثير من العوامل كالضروف والشخصية والارداة والقدرة والقابليات..

    …متشوقة جدا لقراءة المدونة القادمة….كتب الله لك التوفيق في كل حرف تكتبيه

  6. أعظم خطوةهو أدراكنا لتلك العادات الخاطئة ومن ثم التحدي في تغييرها وأزالتها .. شيء مؤسف الاستسلام للافكار التي تولدها الاحداث والظروف والعادات والمؤثرات بلا تأمل ولا سؤال ولا تمحيص ولاأي قدرة على التغيير في الوقت الذي خُلقنا نمتلك هذه القوة والقدرة للعيش بسلام.

    شكرآ على حضورك الجميل وتفاعلك الفكري وتشريفي بزيارتك الدائمة.

  7. 1- جميل حضورك في مدونتي
    2- أشكرك على الالهام لكتابة هذه التدوينة، فقد عانيت من التفكير القسري والعادات المفروضة طويلا وكان يجب أن أفرد له موضوع في مدونتي
    3- يقال “أنت حصيلة أفكارك” وهي مقولة بسيطة ولكنها دقيقة ومعقدة، ذلك لانها تشير الى أن كل ما نقوله ونفعله ونحس به أنما ينبع من العقل، والعقل البشري أعظم الطاقات الكونية واكثرها تعقيدآ واستعصاءآ على الفهم لدى الانسان .. الموضوع ليس بالسهل ولكن عندما تفهم الميكانيكة التي يعمل بها العقل في ترجمة الافكار وتفعيلها فأنك تستطيع بوعي كامل أن تحدد نوعية هذه الافكار وكميتها .. ثم مثل ما ذكرت بعد فترة تصبح هذه الافكار عادة لاتستوجب الوعي التام ويسهل العمل بها لا أراديآ.

    ويرجع صعوبة فهم هذه الافكار والتحكم بها الى مدى معرفتنا لانفسنا وعندما أقول انفسنا فأنني أشير الى الروح وليس الجسد .. والتعامل مع الروح يختلف تمامآ عن التعامل مع النفس او الاخرين كجسد بملامح وشخصية ووظيفة معينة.

    كلما أقتربت من فهم الروح والقدرة على الاتصال بها كلما كانت قوتك عالية في التحكم بما يجول في عقلك وتصفيته بالطريقة التي تسعد روحك وتريحها.

    تجربتك رائعة واتمنى ان تستطيع التحكم بنوعية أفكارك والارتقاء لحياة هادئة وجميلة.

    ألقاك في مدونتي القادمة وأطمع بمرورك الدائم.

  8. شكرآ لمرورك الدافيء وكلماتك المحفزة والحقيقة هي ليست جرأة أكثر منها حبآ وشوقآ وتطلعآ الى السلام والسعادة والحب .. دعني أسر لك أمرآ، اجده صعبآ وأقرب للمتسحيل من يستطيع أن يتقرب الى الله بروحه وليس بشعائر وتطبيقات أن لايجد طاقة هائلة لتغيير الكون وليس نفسه فحسب .. لانها تنبع مباشرة من الطاقة العظمى والتي بكن يكون كل شيء.

  9. سعيدة للغاية برؤيتك هنا .. ولاعجب ان أراك بهذه التدوينة التي تخوض في العقل والفكر.

    قد تكون صعبة في البداية ولكنها بالتأكيد ليست مستحيلة وستكون سهلة بعد الفهم العميق والتدريب المستمر كما ذكر أحمد في تجربته .. انت وحدك من يملك القوة لاعطاء الاوامر الى العقل وليس العكس .. بعدها تتعرض هذه الافكار والاوامر الى عناصر أخرى لتقرر أن كان مسموح لها بالمرور او اللفظ .. هذه العناصر هي الضمير والارادة .. وهما يمثلان الحديث الداخلي المستمر داخل عقولنا وكأننا أثنين في واحد.

    أستطيع أن أشبه الارادة بعضلة المخ او اي عضلة في الجسم التي ستضمر وتضعف اذا تم أهمالها وعدم تحفيزها وتقويتها.

    أهم واعظم ادوات تقوية الارادة هو التأمل والاتصال الحي بالروح وهذا يحتاج الى فترات طويلة من البحث والتمرين قد تمتد الى شهور او بعض الاحيان الى سنين.

    العقل طاقة جبارة قادرة على فعل المستحيل ولكن معرفة هذه الطاقة وتسخيرها تكاد تكون معدمة في عالمنا المادي والمتسارع.

    سعدت بمرورك وانتظرك في التدوينة القادمة.

  10. حضورك أروع وأجمل غاليتي .. لقد أعطيتي مثالا رائعآ وأقرب الى الحقيقة .. العقل مثل حديقة مؤهلة لما نريد ونقرر من المزروعات .. أغلبنا يزرع الكثير والكثير جدآ وبين هذا الكثير قد يكون بعض الورود الجميلة والثمار الطيبة ولكنها لاتكفي لسعادتنا لانها مغمورة بالادغال والنباتات العاطلة التي سمحنا لها بالنمو في داخل تلك الحديقة .. لكي ننعم بالسلام والراحة وجمال هذه الحديقة يجب ان يكون لدينا خطة لتقسيمها بشكل ملائم ومنظم للازهار وجزء للثمار وجزء للخضراوات وجزء للاشجار ثم نقوم بتنظيفها بين فترة واخرى من اي اعشاب مضرة او نباتات دخيلة وكلها تحتاج الى وقت وأرادة وتمرين تتحول مع الوقت الى عادة.

    أنتظرك في مدنتي القادمة ..

  11. الله على كلماتك التي تبعث السكينة في نفسي ، قلمك كالبلسم على روحنا التي نجهلها ، أنتي ومن مثلك يبعثهم لنا الله ليعرفنا بخفايا النفس والروح .

    ومن يقتنع ويتقصر الموضوع على أن عبادة الله بالروح أعمق وأنقى من الظاهريات التي تلهينا عن الجوهريات وعن المسار الصحيح .

    أشكرك يا سمارا فكتاباتك تهيضني .

  12. موضوع رائع ومهم وانا منذ فترة وانا احاول القراءة في عدة مواضيع ومن ضمنها التحكم في الافكار فارجو مساعدتي في الحصول على مراجع وكتب ومدونات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s