دوامة الدين ضد الدين

سمارا نوري

في كل مرة نزورهم تدور بيننا أحاديث عامة ومجاملات وأخبار العباد والبلاد، ثم لايلبث بتلك التلميحات التي تدير دفة الحديث ليتمحور حول أمر تكلمنا فيه كثيرآ، ليس من باب المتعة او الاستفادة ولكن رغبة في الجدل وأثبات الذات.

أجد نفسي في موقع الدفاع .. والهجوم أحيانآ.

ماهو الحديث؟

الاسلام .. ديني ودينه ودين جميع الحاضرين وبالتأكيد سبب أزمة العالمين!

جعلوني في خانة ” المتدينين” وهم في خانة ” المتحضرين” بعد ان أعتنقوا بعض القيم ومفردات من اللغة الانكليزية!.

قلت له: أن لكل شخص صحن لاقط في رأسه يوجهه كيفما يشاء ليسحب الموجات والترددات التي يريد مشاهدتها والاستماع اليها بمحض أرادته.

أنت تتهم المتدين بالجهل والازدواجية وسوء الخلق، ولاتنظر الا الى فئة واحدة فقط من المتأسلمين اللذين حسبوا أن بعض مظاهر الدين تشفع لهم أفعالهم وتستطيع أن تستتر على عيوبهم وقباحتهم.

ومثلهم المتأسلمين المتحضرين اللذين حسبوا أن القلب الطيب وبعض الاعمال الخيرية ترضي الرب وتجعلهم من المصلحين.

والاثنان وجهان لعملة واحدة، أن كان مصليآ متهجدآ مسيئآ لربه بأخلاقه وأنحرافه او خلوقآ عالمآ ليس في مظهره و كلامه مايدل على أنتمائه ولا في حياته وقت لشرائع لاهوتية مثل الصلاة والصيام وغيرها من أفيون الاعمال!.

لاتبرر تقصيرك وتتنكر لمسؤولياتك ببعض الاعمال المستقيمة وأنحراف أهل الدين.

أن الذي عرف ربه حق اليقين وتدّين تدينآ حنيفآ أنسان أستسلم لارادة الله ومشيئته والهدف الذي خُلق لاجله، لا ماتريده أنت وتلك النفوس.

ومن يتشرف بهذا التعريف لايمكن أن يخل بأي من مقومات مثلث المعرفة الذي به تستطيع أن تميز من كان متدينآ ام مدعيآ، وغياب أي ضلع من أضلاع ذلك المثلث يشير الى خلل جذري وقصور في الفهم والادراك او قد يكون جحود ونكران وبالتالي تقصير متعمد وأختيار حر.

أما أضلاع ذلك المثلث فهي المظهر والسلوك والاعمال.

تجتمع في شخص واحد بلا نقصان او تناقض وبنسب تتفاوت من شخص لاخر، فهو لن يبلغ الملائكية بتلك الصفات ويبقى أنسان يخطيء ويصيب من دون أن يتجاوز حدود المثلث او يكسر أي من أضلاعه.

فلم تضعه تحت مجهرك وتصدر عليه أحكامك من دون تفريق ولا أنصاف!.

كنت في فترة من حياتي ألتزم بضلع واحد، ولم تكن حياتي الا عبث وضياع مهما عظمت شهاداتي وبغلت أنجازاتي لان دوري الحقيقي الذي خُلقت من أجله كان معطلآ.

نحن هنا في رحلة مؤقتة ومهمة محدودة وحساب مرهق.

تلك هي التركيبة السرية والسحرية التي لايفهمها المتأسلمون المتخلفين والمتحضرين، كل شاردة وواردة في الحياة مرتبطة مع بعضها أرتباطآ وثيقآ ولايمكن تحقيقها بدون ذلك المثلث.

أن حاول الانسان صادقآ التقرب الى خالقه والتعرف اليه وسعى بجهد الى تلك المعرفة، منحه الله فرقانآ يصبح فيه البصر حديد ولايمكن أن يستمر في التخبط والتقليد.

أنسان صار يمتلك زمام الكون بيده، تطوعت وأستسلمت بين يديه، يسيرها كيفما يشاء هو ولاتسيره.

فلا عالم متغطرس كأنه خلق الكون بعلمه، ولا ثري متصدق بأعماله الخيرية وحفلاته الماجنة، ولا شيخ ليس في وجهه ومضة نور ولا في حديثه الا النار والحرام، ولا عابد متعبد قاطع للرحم والرحمة، ولا محجبة مثيرة للفتن والشفقة.

لم يعجبه كلامي كثيرآ وأراد أن يستفزني بطريقة أخرى ليسفه الامر او بالاحرى نفسه! فأدار الموضوع حول الطائفه فلان والمدينة فلان والمجرمون فلان.

لم يسعفني صبري كثيرآ وقلت له بلهجة حادة، وماخصك بالطائفة فلان أن كنت أصلا تتحرج من أنتمائك وتشك في دينك، لاتعرف الصلاة الا في بعض المناسبات ولاتفوتك الحفلات والدعوات ولاتجد في الشراب حرامآ مادمت طيبآ متخلقآ متصدقآ وزوجتك المصون تقف الى جانبك في شبه ملابس مع أني لو كنت مكانها لاحتشمت ليس خوفآ من الله بل من سخرية الناس وألسنتهم اللاذعة التي تطولك قبل أن تصل اليها.

هل ياترى فرضت الصلاة على الطائفة الاخرى وخففت ورفعت عنكم؟ مثلك كمن يريد أن يكون قاضيآ وهو لم يدخل المدرسة!.

مالك وللطوائف والملل تتكلم فيما يفرقها ولم يخطر ببالك يومآ ما يجمعها ويوحدها.

أحتقن وجهه وأراد أن يفترسني بغيظه ولم أتوقف.

قلت له: أن مهمتنا الاساسية هي أصلاح هذا العالم أبتداءآ بأنفسنا.

أن عالمنا مضطرب غارق بالدم والعنف والفساد.

دول تقتّل وتباد وتهجر على مرأى العالم من دون حساب ولاعقاب !!

عري فاضح في كل بيت، أن لم يكن في أهله فعلى شاشات التلفزيون من دون خجل ولا حياء.

سرقات ونهب وفساد أدراي وأخلاقي على مستوى دول ومؤسسات وأفراد من دون رادع ولاقانون.

فوضى عارمة وأنتهاك لكل الحرمات سببها هذا الانسان الجاحد والجاهل.

ستظل معركته خاسرة وعالمه مرعبآ مادام مخدرآ بالاكاذيب، لاهيآ بالتفاهات، مصرآ على الانقياد والاتباع.

ولكن ..

هناك نفر لاتراهم أنت ولا أولئك اللذين تنتقدهم، لاينتمون لطائفه ولا حزب ولا قبيلة، يرجون رحمة الله ويخافون يومآ تتقلب فيه الافئدة والابصار، ليسوا بالكثرة الا أنهم أمة واحده والى ربهم يعبدون.

منهم سيُبعث قائدآ يشبه الذي كنا نقرأ عنه في القصص والاساطير، دستوره كتاب الله وسلاحه الايمان، سيقلب الارض حرثآ ويخرج الفئران والاشواك والادغال، تتعرض لنور الله لتتطهر وتتعافى، ثم يزرعها صلاحآ وسلامآ وأمان.

لاأطلب منك أن تتبنى أفكاري، ولاتستطيع أن تغير مابرأسي، لقد أختار كل منا طريقه وهذا حق وهبه الله لنا جميعآ ولايستطيع أحد أن يمنعنا أياه.

فلنعش ونعمل كل في أختياره، لي رؤيتي ولك مثلها، ولي هدفي وعندك أيضآ هدف.

لكننا سنلتقي، لابد أن يكون بيننا لقاء لنعرف الحقيقة كاملة بلا تضليل ولاتحريف، سيكشف الحجاب وينتهي الجدال، ولن يعود هناك خير ولا شر.

لاشيء سوى الحقيقة وعدالة مطلقة.

Advertisements

15 فكرة على ”دوامة الدين ضد الدين

  1. مقالة رائعة فيها كثير من ارهاصات انسان اليوم لقد وضعت الحل وبكل بساطة وهو مجمل مانحتاجه لنخرج من المستنقع الآسن الذي نتسابق للغوص فيه نعم أن مهمتنا الاساسية هي أصلاح هذا العالم أبتداءآ بأنفسنا… لقد خلقنا الله في احسن تقويم وها نحن نسير الى اسفل سافلين قبل ان تقول عدالة السماء قولها الفصل .. أن خالقنا هو من وضع دستوره وهو خير من يعرف مستوى ادراك خلقه… علينا ان نبدأ بأنفسنا ونحن مؤهلين لذلك ولسنا بحاجة الى من يدلنا الطريق الى رضوان الله فالحلال بيّن والحرام بيّن وطريق الحق يخطف بنوره الساطع الابصار ودهاليز الظلام تجر اصحابها الى متاهاتها دون بلوغ ادني بصيص للنور … لسنا بحاجه لمن يترجم لنا دستورنا… عمروا قلوبكم بالايمان وتطهروا واعطوا لانفسكم الدور الانساني المكلفين به كونوا قادة انفسكم تحرروا من عبودية الفكر وبما يستقيم مع دستور خالقنا وعندها ستكون البداية الصحيحة وسيتزاحم اصحاب الفوضى العارمة لحجز مقاعدهم في مزبلة التاريخ .

  2. رائعة..طلعتي كل اللي في قلبي ونفسي أقوله..الله يسعدك♡

  3. والاورع تعليقك في كل حرف بأسلوب بديع .. سلمت يداك

    سيتزاحم اصحاب الفوضى العارمة لحجز مقاعدهم في مزبلة التاريخ .. اعجبتني جدآ جدآ

  4. انما الامم الاخلاق فإذا ذهبت اخلاقهم ذهبوا
    قلة قليلة في زماننا هذا يا سمارا من فهم بوعي وأدراك طريق الله وهدف وجوده في هذه الحياة وما يفرضه الدين على المرء من مكارم الاخلاق وحسن الخلق في السلوك والتعامل والمظهر…
    اصبح الدين في زماننا هذا العوبة وطرفة وحكاية في فم الجاهل والعالم والمتدين والزنديق…كل يرمي من جهته ويلبس ثوب الفهم والحقيقة أن الطرفين هم بلاء وابتلاء…
    مسألة فهم الدين فهما جوهريا والاضطلاع على حقيقة الاسلام تحتاج الى جهة موثوقة يلجأ اليها الفرد لفهم الكثير في زمن أصبح فيه رجال الدين العوبة بيد الحكام يفصلون الدين حسب امزجتهم ويكفرون هذا ويدخلون ذلك النار …ومن جهة اخرى نجد فئة اخرى اسميتهم انت في مدونتك بالمتحضرين رغم أني لا ارى فيهم اي نوع من التحضر بل فئة عاطلة فارغة جاهلة متخلفة محدودي الرؤيا كبلوا أنفسهم بلهو الدنيا وتفاهاتها في رايي لا يستحق احدهم سوى قول الله عز وجل “بسم الله الرحمن الرحيم ..وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما…” …تبقى مدونتك جميلة ودقيقة وهادفة كالعادة جزاك الله خيراً.. ووفقك لمزيد من الابداع…

  5. اذهلني المقطع “أن لكل شخص صحن لاقط في رأسه يوجهه كيفما يشاء ليسحب الموجات والترددات التي يريد مشاهدتها والاستماع اليها بمحض أرادته” وكأنك وبجملة واحدة بسيطة اختصرت مفهوم استيعاب الناس للدين في الوقت الحالي!!!! أحييك على هذا الوصف.
    من المؤسف رؤية مجاميع من الناس تتبنى مناهج في الدين قولبتها حسب ظروفها وحسب مزاجها ومصالحها. مبتعدة عن جوهر الدين الاسلامي. جوهر ربما يعيه من ذكرهم سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من اولو الالباب والذين يفقهون.
    أحييك على موقفك وشجاعتك وثباتك على المبدأ.

  6. ويبقى مرورك وكلماتك كالعطر الذي يخترق الانف والعقل والاحساس حتى يستقر في القلب .. انت عنوان للجمال في كل شيء

  7. افتقدتك ياصديقة .. أفتقد أرائك الموضوعية وحوارك الغني وحضورك الدافيء وأسلوبك المبدع .. أرجو أن لاتأخذك مني الحياة ومشاغلها

  8. سمارا لا أستغرب منك مقالاً يناقش المضامين ليفضح الشكليات ، فأنتي أم المضامين والروحانيه.
    أعجبني مثلث المعرفة (المظهر والسلوك والأعمال) فهو مقياس لمصداقية الأفكار على أرض الواقع .

    صوتك التي تنادين به هو صوت الأعتدال، أرى فيه الإيمان بأن القيم العظيمه توجد في جميع النماذج سواء حضاريه أو دينيه ، فالمضمون واحد والأختلاف يحدث فقط عندما يتم تبني الشكليات فتفقد القيم لصالح الشكليات .

  9. لقد أختصرت مقالتي بكلماتك او بالاحرى عبرت عنها بكلمات أجمل .. أفرح كثيرآ عندما يستطيع القارىء أن يجتاز الحروف والكلمات الى أعمق محتويات المضمون ويفهمها بشفافية كما يريد الكاتب .. وفقك الله وزادك نورا

  10. “أن حاول الانسان صادقآ التقرب الى خالقه والتعرف اليه وسعى بجهد الى تلك المعرفة، منحه الله فرقانآ يصبح فيه البصر حديد ولايمكن أن يستمر في التخبط والتقليد” لا فض فوك
    كم نحتاج لذلك الفرقان ( القران ) الذي لم يجد من يستخرج كنوزه ويطبقه واقعا معاشا دون انتقاء ، إن قراءته بتدبر تمنح الإنسان رؤية للأحداث بمنظار فريد ، يرى بنور البصيره … منحنا ربي وإياك نور البصيرة ، وليت قومي يعلمون عن كنز كتاب ربي والذي سيحل كل مشاكلهم وسننعم به بالعدل والحق والحياة الطيبة .

  11. لقد جلعوا القرآن حجابآ وزينة وتعويذة معطلة في البيوت والسيارات وقلائد على الصدور ولم يعي أحد الى كونه خريطة حياة ومنهج يومي لايقبل الخسارة او الفشل او الندم .. الا مارحم ربي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s