لاتوجد حرية

سمارا نوري

الحرية ..

من أكثر الكلمات المستهلكة التي تداولها القادة والعامة والادباء والمفكرين ، وها انا ازيد الطين بلة وازيدها استهلاكآ.

الكل يريد التحرر والكل في شغل شاغل عن تلك الحرية المفقودة، ولاادري أن كان أحد من هؤلاء يعرف ما يبحث عنه!.

لكل انسان مفهومه الخاص بالحرية وما يبغيه من تلك الحرية في حياته.

لقد كنت لفترة طويلة متمردة جدآ على حرية مجتمعاتنا التي لاتتعدى الملصقات الجدارية وكتاب الوطنية في المرحلة الابتدائية، كنت أريد أن أتحرر من هذه الحرية البائسة وسجن الشرق وحصلت على ما أريد.

لاكتشف عن قرب وتجربة حرية الغرب!.

لم يأخذني الكثير من الوقت لاعلم بعد فترة قصيرة بأنه سجن أفظع، وتبين لاحقآ أن الحرية الغربية كذبة بشعة ومقنعة للهروب من المسؤولية والواقع والاستهتار بالاخلاق الاجتماعية والسيطرة على الاخرين وانتهاك حقوق الاخرين وأتباع حيواني للشهوات والرغبات الفردية.

أنها غابة ظاهرها القوانين والانظمة وباطنها سرطان مستفحل بكل كيانها الخرب.

الحرية ليست مجرد أفكار عشوائية، وآراء معارضة، وأزياء مخالفة، وقيادة سيارة، وانسان بلا دين ولا جذور، ولاحتى العيش بالمريخ.

الحرية بالضبط هو العيش بضوابط تحفظ الكرامة الانسانية وتكبح وحشيته المستترة.

الحرية بمعناها التجريدي لاوجود لها لاننا مخلوقين ولسنا بخالقين، حريتنا مرهونة بأمر الخالق وهذه الحياة التي بأيدينا مجرد حلم لابد أن نستفيق ونستيقظ منه يوما ما وبالتالي تتجسد حريتنا في نطاق ذلك الحلم الغير وردي.

كل واحد حر في مسرحه الشخصي، هناك المبدعين والمتفوقين والمشهورين وهناك المهرجين والفاشلين وذوي الاقنعة المكشوفة.

الحرية المطلقة الوحيدة التي نعيشها في تلك المسرحية هي الطفولة حيث تنعدم جميع الحواجز الفكرية والاختلافات الاثنية ولايحدنا شيء غير سلطة الابوين ونظراتهم، عدا ذلك فالكون كله مجرد ملعب فسيح لكل طفل وان كان في وسط الخرائب والركام.

الاغلبية يعتقد أن التحرر من الدين يصلح ان يكون عنوانآ للحرية.

بالتأكيد صحيح، أن لم يكن هناك أعتقاد بوجود خالق وبعث و حياة أخرى.

اما من كان على الجانب الاخر من السد فهو ليس حرآ، لان الارواح التي بداخلنا تتطلع بشوق وعطش الى التحرر، فنشعر على الدوام وكأن هناك شيء مفقود وكأننا مشدودين لشيء لانعرف كنهه.

لن تهدأ ولن ترتاح ولن تقر تلك الارواح حتى تتحرر من سجن الجسد وتكليف الحياة.

لاشيء يسعدها الا ذلك الرجوع الى حريتها وطبيعتها ووطنها الاول.

ولذلك كان الموت مكملا لهذه الحياة الى حياة اخرى اكثر تطورآ. نعم، لاننا حاليآ نعيش في الحياة الدنيا اي ادنى مستوى للحيوات التي تتغير وتتطور كلما انتقلنا الى الوجوه الاخرى المكملة لها، فهناك حياة البرزخ وحياة البعث وارفعها بالطبع الحياة الابدية بعد القيامة والحساب.

تأمل كلمات جبران خليل جبران في بوح نادر ورائع، وارجع لها كلما داهمتك الظنون عن هذه الحياة.

كتب جان كيتس: أحفروا على لوح قبري، هنا رفات من كتب اسمه بماء.

فكان تعليق جبران على ما كتبه كيتس:

أهكذا تمر بنا الليالي؟! أهكذا تندثر تحت أقدام الدهر؟ أهكذا تطوينا الأجيال ولا تحفظ لنا سوى اسم تخطه على صحفها بماء بدلاً من المداد؟

أينطفئ هذا النور وتزول المحبة وتضمحل الأماني؟؟

أيهدم الموت كل ما نبنيه ويذري الهواء كل ما نقوله ويخفي الظل كل ما نفعله؟

أهذه هي الحياة؟

هل هي ماض قد زال واختفت آثاره، وحاضر يركض لا حقاً بالماضي، ومستقبل لا معنى له إلا إذا ما مر وصار حاضراً أو ماضياً؟

أتزول جميع مسرات قلوبنا وأحزان أنفسنا دون أن نعلم نتائجها؟؟

أهكذا يكون الانسان مثل زبد البحر يطفو دقيقة على وجه الماء ثم تمر نسيمات الهواء فتطفئه ويصبح كأنه لم يكن ؟

لا لعمري، فحقيقة الحياة حياة.

حياة لم يكن ابتداؤها في الرحم ولن يكون منتهاها في اللحد .. وما هذه السنوات إلا لحظة من حياة أزلية أبدية.

هذا العمر الدنيوي مع كل ما فيه هو حلم بجانب اليقظة التي ندعوها الموت المخيف، حلم ولكن كل ما رأيناه وفعلناه فيه يبقى ببقاء الله.

فالأثير يحمل كل ابتسامه وكل تنهيدة تصعد من قلوبنا، ويحفظ صدى كل قبلة مصدرها المحبة، والملائكة تحصي كل دمعة يقطرها الحزن من مآقينا، وتعيد على مسمع الأرواح السابحة في فضاء اللانهاية كل أنشودة ابتدعها الفرح على شواعرنا.

هناك في العالم الاتي سنرى جميع تموجات شواعرنا واهتزازات قلوبنا، وهناك ندرك كنه ألوهيتنا التي نحتقرها الآن مدفوعين بعوامل القنوط.

الضلال الذي ندعوه اليوم ضعفاً سيظهر في الغد كحلقة كيانها واجب لتكملة سلسلة حياة ابن آدم.

الأتعاب التي لا نكافأ عليها الان ستحيا معنا وتذيع مجدنا.

الأرزاء التي نحتملها ستكون اكليلاً لفخرنا.

هذا، ولو علم “كيتس” ذلك البلبل الصداح أن أناشيده لم تزل تبث روح محبة الجمال في قلوب البشر لقال:

احفروا على لوح قبري:

هنا بقايا من كتب اسمه على أديم السماء بأحرف من نار.

فهمها جبران والذين أشتروا حريتهم وانعتقوا من عبودية الدنيا ووهم الحياة.

هؤلاء هم الاحرار وأصحاب الفكر والضمير.

Advertisements

6 أفكار على ”لاتوجد حرية

  1. عزيزتي سماره
    المقال تحفه وكلماتك رائعه والموضوع شيق
    وقد اضحكني تعبير وها انا ازيد الطين بله للخوض بنفس الموضوع
    والحقيقه انا متفقه معك بما طرحته من افكار
    فالحريه في بلداننا مأساة والحريه عند الغرب كارثه
    وانا شخصيا احب ان ارى الحريه بنظام وضوابط وشروط وقواعد وقيود ومسارات واضحه حتى ينضبط الانسان ويستقيم المجتمع
    ويا ويلنا ان حاولنا تقليد حرية الاخرين
    فلكل مجتمع وفرد طبيعة حريه لاتنطبق على الاخرين
    الحريه كلمه معناها الحديث يختلف عن معناها القديم مع الاشاره الى ان قديما كان المعنى اوضح واسلم واكثر تعبيرا كمنادات الانسان للتحرر من العبوديه والتحرر من الاستعمار …….
    وما استشهدت به من كلمات جبران خليل كان رائعا حتى اني اعدت القراءه مرتين
    شكرا لك لمشاركتي عبق افكارك وحبر كلماتك
    وانت قدوه في الحريه

  2. لقد بات هذا الموضوع مؤرقا وغاية في الخطورة ياصديقتي حتى ان الخوض فيه مجازفة ومشقة بسبب الغزو الثقافي الدخيل وانعدام العدل واستباحة البلدان والتجروء على الذات العليا حتى اضمحلت ان لم تكن ماتت معاني كثيرة ومفاهيم كانت ثابتة وسببها خواء اﻻجساد من اﻻرواح والقلوب من اﻻيمان فانقلب الناس الى وحوش كاسرة يتنافسون على الدنيا ويتمتعون بالفساد واﻻنحلال.

    انعدمت الحرية وعمت ثقافة واحدة وفكر واحد وصار التقليد كالكوليرا داء مقيت مستفحل بكل الشعوب وفي كل البيوت حتى النخاع.

    وانه ليسعدني ان اجد فكرا متناغما مع ما اؤمن به من خلال حروفك الذهببة ومشاركاتك التي تعطي بعدا اخر لكتاباتي

    شكرا لك حد السماء

  3. كعادتك تتحفينا بنظرتك العميقه للوجود 👍

    مثلما ذكرتي سؤال الحُريه مرتبط دوماً بما هو ديني واجتماعي وسياسي
    وان صدق احياناً سؤال الحريه في هذا المجالات ألا ان نصفه الأخر سيسقط في ذاتية الإنسان وفردانيته وقيوده التي سيبنيها من جديد حوله .

    انا بنظري ان الحُريه هي الجواب الإبداعي الذي يخرج من رحم الدين والإجتماع والوجود ليُنظم الأخلاق والسلوك .

  4. لقد اختصرت المقال كله بهذه الكلمات التي صغتها باسلوب رائع .. هذه هي الحرية التي كتبت عنها ويريدون تحريفها وتشويهها حسب اهوائهم وفلسفتهم وحواراتهم الميتة.

    الحُريه هي الجواب الإبداعي الذي يخرج من رحم الدين والإجتماع والوجود ليُنظم الأخلاق والسلوك .

    دومآ تتحفني بحضورك وثقافتك

  5. كتبت أمس تعليقاً على مقالك ولكن يبدو ان امراً ما حدث ولم يظهر التعليق ضمن التعليقات
    على كلٍ انه ليسعدني أن اعلق مجددا على مقالك الحر وأعود لاقول ليس من المستغرب بإن تخرجي بمقال بهذه الروعة يا سمارا، فلطالما احببت مقالاتك وطريقة انتقاءك لكلماتك ومواضيعك الشيقة واسلوبك الخاص وبصمتك الجميلة ولطالما حركت واثارت فيّ الافكار والاحاسيس، كلماتك الحرة الطليقة عن الحرية هذه الكلمة الواسعة الكبيرة”رمز الوجود واسمى معاني الانسانية بل هي جوهر آدمية وانسانية المرء” وربطك الحياة والموت بها انما إن دلت على شي فهي تدل على إنك ذات بعد انساني عميق ورؤية حاذقة وبصيرة نافذة.
    اعجبني كثيرا ربطك الموت والحياة بالحرية واعجبني اكثر استشهادك بحروف جبران النارية وحروف كيتس المائية
    نولد احراراً لكن سرعان ما تقيدنا اغلال الظروف والفهم والفكر الخاطئ والتسلط والجهل والاستعباد فالكلمة واسعة وقيودها اوسع. واقف هنا لاتساءل هل بالفعل لا وجود للحرية ؟؟ ويجدر بنا أن ننتظر لتكتمل الحياة بالموت “الحياة الاخرى” لتتحرر النفس من قيود الجسد وتعود لملكوت الله حرة طليقة بلا قيد ولا شرط ولا اذى ولا الم ؟! ام ان الحرية قد قيدت على ايدينا نحن البشر بقيود السيطرة والتحكم وانتهاك حقوق الاخرين وأتباع الشهوات والرغبات وخرق القيم والثوابت
    بظني انه لاعيش ولاحياة بدون حرية تضمن للفرد حرية الفكر والاعتقاد والاختيار ضمن القيم والظوابط التي تنير الدرب السليم للفرد وترتقي به وبالمجتمع الى اعلى درجات سلم الحياة الكريمة
    يقول المنفلوطي ( الحرية شمسٌ يجب أن تشرق في كل نفس ليعيش المجتمع سعيداً)
    سلمت يدك وسلم قلمك ودامت كلماتك حرة طليقة لتتحفنا بالمزيد من الابداع في عالم الفكر والادب.

  6. لقد قرأت ردك اكثر من مرة ليس لفهمه وانما لروعته وجمال اسلوبه والتسلسل الرائع في طرحه.

    أنه مقال يستحق ان ينشر بصفحة لذاته يعبر عن مكنون قلب سليم وحس مرهف ومشروع اديبة رفيعة الفكر.

    المجتمع والبيئة لهما اثر عظيم في تحجيم هذه الحرية سواء كانت شخصية او عامة على نطاق الانسانية والحياة، لطالما تنمو بذور الحرية في دواخلنا ولكنها غالبآ ما تصطدم بالاخرين وثقافاتهم وعاداتهم.

    لايهمني هؤلاء وكما قلت نحن احرار في مسرح كبير نعمل فيه كما نشاء، ولكن ما يثير قلقي ويوجع قلبي هو هؤلاء اللذين يملكون عقولا متحجرة وقلوبآ ميته والسنة صارخة ويبرعون في الجدال والكلام فتراهم في كل مجلس ومكان يصرحون بأراء وافكار سامة لايهمنا لو بقيت في دمائهم ولكنها سرعان ما تنتقل مثل هشيم النار الى العقول البسيطة والشباب الناشيء والقلوب الضائعة والنفوس المتعبة فتنقل اليها هذا السم بكلام معسول يغسل الدماغ ويذهب العقل.

    هذا ملحد وذاك شيوعي واخر علماني وطائفي وكردي واسماء ومسميات كلها تنعق بأسم الحرية والتحرر.

    والسؤال الذي يطرح نفسه الحرية في ماذا؟ والتحرر من اي شيء؟ وما هي الغاية من تلك الحرية البائسة؟

    هذه الاصوات تستفزني كلما تعثرت بهذا النعيق، فأردت ان اوصل صوتي ولو ضعيفآ واقول رأيي في حريتي.

    لم ابتدعها وليس لي اي فضل فيها، انما هو ادراكي وفهمي لمعناها الذي استمده من كتاب الله ونوره.

    دمتي لي ياغاليتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s