ابن خلدون والحسين 7

سمارا نوري

يتطرق ابن خلدون الى رأي ابن العربي في خروج الحسين فيقول:

“وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه أن الحسين قتل بشرع جده وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الامام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته في قتال أهل الآراء؟!”.

هناك رواية يرويها ابن حجر العسقلاني تشير الى أن ابن خلدون كان في أول امره عندما كتب النسخة الاولى من مقدمته يؤيد ابن العربي في قوله بأن الحسين قتل بسيف جده.

يقول ابن حجر: إن شيخه الحافظ أبا الحسين بن أبي بكر كان يبالغ في الغضب من ابن خلدون من أجل قوله ذاك وكان يلعنه ويبكي.

إن صحت هذه الرواية فأن رأي ابن خلدون في ثورة الحسين يشبه رأيه في جميع الثورات الفاشلة، ولكنه تراجع عن هذا الرأي بعدئذ خوفآ من الناس، فمحاه من مقدمته ووضع مكانه الرأي اعلاه.

يبدو أن ابن خلدون عندما أراد أن يكتب عن ثورة الحسين تملكته الحيرة وتوقف عن الكتابة. فهو لا يدري أيكتب الرأي الذي يؤمن به في قرارة نفسه، ام يكتب الرأي الذي يريده الناس منه.

وقد خصص لهذه الحادثة صفحات تركها بيضاء في كتابه ثم مرت الايام فنسي أمر تلك الصفحات وبقيت على حالها الى يومنا هذا.

يصنف ابن خلدون الثورات الى صنفين: ناجحة وفاشلة.

فهو لا يخفي تمجيده للثورة الناجحة، أما الثورة الفاشلة فهي في نظره مذمومة جدآ وهو يشجبها شجبآ مقذعآ بعض النظر عما يمكن أن يكون فيها من مباديء او مثل عليا.

يصف ابن خلدون الثوار الفاشلين بأنهم حمقى او مشعوذين ويرى أنهم يجب أن يعاقبوا عقابآ شديدآ او يعالجوا.

كان الفقاء في عهودهم المتأخرة يؤمنون بوجوب طاعة السلطان وبتحريم الخروج عليه، وخلاصة رأيهم في هذا الصدد: أن الحكومة الجائرة خير من الفوضى.

أن ابن خلدون يمجد الثورة الناجحة بغض النظر عما ينتج عنها من فوضى وسفك دماء، فهي في نظره ثورة قامت على أساس العصبية ولابد أن يكون مصيرها النجاح ولو أراد صاحب العصبية أن يتقاعس عن ثورته لقام غيره بها ممن توافر لهم العصبية مثله.

يوجب ابن خلدون على صاحب العصبية أن يخرج على الحكومة ولو كانت شرعية صالحة، إذ أن تقاعسه عن الخروج قد يؤدي الى تنازع وفوضى أكثر مما يؤدي اليه خروجه.

ويشجب من الجانب الاخر كل ثورة فاشلة ويعلل فشلها بكون القائمين عليها لم يراعوا شرط توافر العصبية فيها فالثائر الذي يخرج على حكومة زمانه اعتمادآ على المبدأ الصالح الذي يدعو له، من غير عصبية كافية تسنده، إنما يجري خلاف التيار الذي يسير عليه المجتمع ولابد أن يكون مصيره الفشل واللعنة.

إن النزعة الواقعية المفرطة لدى ابن خلدون جعلته يغفل عن ناحية مهمة من تاريخ الثورات، فالثورات لاتخضع للحساب الدقيق كما يريد ابن خلدون منها أن تكون، إنها صفقة تجارية لايقوم بها التاجر الا بعد أن يحسب حسابه. كثيرآ ما يكون الثائر مؤمنآ بالمبدأ الذي يثور من أجله وهو يندفع به فلا يبالي أوقع الموت منه أم وقع عليه. ورب ثائر يثور دون أن يكون لديه ما يؤهله للنجاح، ثم يأتيه النجاح من حيث لايحتسب.

ينسى ابن خلدون كيف بدأ النبي بدعوته وهو ذو عصبية ضعيفة جدآ تجاه عصبية خصومه الاشداء.

ولو اتبع الثوار هذا المبدأ الخلدوني منذ قديم الزمان لما ظهر في الدنيا أنبياء ولا زعماء ولا مصلحون، ولصار الناس كالاغنام يخضعون لكل من يسيطر عليهم بالقوة، حيث يمسي المجتمع بهم جامدآ يسير على وتيرة واحد جيلآ بعد جيل.

ومن ناحية أخرى غفل ابن خلدون عن تاريخ الثورات، فالثورة قد ينتهي أمرها الى الفشل ولكنها تكون ذات أثر أجتماعي نافع، فهي تحرك الرأي العام وتفتح الاذهان الى أمر ربما كانوا غافلين عنه وكثيرآ ما تكون الثورات الفاشلة تمهيدآ للثورة الناجحة التي تأتي بعدها.

ويمكن القول أن الثورة الناجحة لا تحدث الا بعد سلسلة من الثورات الفاشلة، حيث تكون كل واحدة منها بمثابة خطوة لتمهيد الطريق نحو إنجاح الثورة الاخيرة

سلسلة منطق ابن خلدون

المصدر: كتاب منطق ابن خلدون – د. علي الوردي

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”ابن خلدون والحسين 7

  1. اجد رأيه في الثورات غريباً بعض الشيئ، رغم كونه مؤرخ ومفكر ضخم. لكن لابد ان تكمن في ضميره وجهات نظر اخرى خاصة به !؟
    احببت تلخيصاتك للكتاب وتحليلاتك لفكر هذا المؤرخ الكبير.
    استوقفني في مدونتك هذه رأي الفقهاء آنذاك ملَخصاً ب ” أن الحكومة الجائرة خير من الفوضى” .. وكأننا منذ قدم العصور والازمان لم نستطيع أن نتجاوز مطرقة الحاكم الجائر ولا سندان الفوضى، وفشلنا كل الفشل في بناء مجتمع متكامل متسامح قائم على المساواة والعدالة ، مجتمع تسوده حرية الرأي والتوازن في حق الاخذ وواجب العطاء.
    لا اتفق معه في الرأي بموضوع العصبية، تبقى الثورات نجحت ام فشلت موقفاً مشرفاً يخلدها التاريخ ويجسدها على الدوام ابناؤها الذين يولدون من رحم الفقر والظلم والاضطهاد، لكن المشكلة الكبرى عبر تاريخ البشرية وليومنا هذا، هي ان يجني الجبناء والظلام واللصوص دوماً ثمار الثورات فاشلة كانت ام ناجحة.
    سلمت يداك وبأنتظار المزيد.

  2. ولااستطيع الا أن أتفق معك في تعقيبك الذي يدل على أنسانية نقية وفكر ثاقب.

    لقد أنجز ابن خلدون فكرآ وابداعآ لايمكن أنكاره بغض النظر عن أرآءه التي قد تبدو بعيدة عن الواقع والمنطق.

    أن الثورات الحقيقة التي تنبع من صلب أرداة المجتمع والرغبة بأصلاح واقعه المرير هي اللبنة الاساسية لكل عدل وحق يقام في الدنيا وبدونها يسود الدول نظام الغاب وتعم الفوضى والاستبداد والفساد.

    لاحرمني الله من قلمك وفكرك وحضورك الانيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s